المنطقة الآمنة في سوريا وفق الخطة التركية حلم بعيد المنال

اقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 13 يناير في تغريدة مبهمة إنشاء منطقة آمنة بعمق 20 ميلا في شمال سوريا.
وعلى الرغم من مرور 10 أيام على هذه التغريدة، لا يزال هناك الكثير من الارتباك بشأن ما يعنيه الرئيس الأميركي بالضبط وكيفية تنفيذه. استغلت تركيا التغريدة لاعتبار أنّها مطلب يخصهم وأنّها ستكون منطقة تحت السيطرة التركية ولن تسمح لأي وجود عسكري مرتبط بوحدات حماية الشعب فيها، لكن المواقف التالية التي صدرت من القادة الأكراد وحلفائهم العرب أعلنوا رفضهم الحاسم لأي دور تركي في تلك المنطقة، بل واعتبروا تركيا هي مصدر تهديد…

من المنطقي الآن التساؤل: هل ستكون تلك المنطقة مشروعا تركيا في الأساس، أم ستقود الولايات المتحدة عملية إنشائها؟
بالنسبة لأنقرة، التعريف المثالي للمنطقة الآمنة هو أن تكون منطقة خالية من وحدات حماية الشعب التي تشكل المكون الأكبر من قوات سوريا الديمقراطية، وهي تحالف تمكن من دحر تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا بمساعدة الولايات المتحدة. وتقول الحكومة التركية إنّ وحدات حماية الشعب هي امتداد لحزب العمال الكردستاني الذي يشن صراعا منذ عام 1984 في سبيل تحقيق الحكم الذاتي للأكراد في تركيا.
وقال آرون ستاين، مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد أبحاث السياسة الخارجية: “التسريبات المتداولة حول المنطقة العازلة غير قابلة للتنفيذ. سيكون هناك الكثير من المشاحنات والتوترات”.
وأضاف: “أجد صعوبة في فهم السبب وراء اعتقاد البعض أنّ قوات سوريا الديمقراطية ستفضل اختيار المقترح الأميركي على بديل النظام السوري، في حين أنّ موسكو يمكن لها أن تنسف هذا المقترح من الأساس”، وذلك في إشارة إلى المحادثات التي بدأها الأكراد السوريون مع دمشق في أعقاب إعلان ترامب في 19 ديسمبر سحب ألفي جندي أميركي من سوريا.

ويأمل الأكراد في أن يتمكنوا عبر التنازل عن سيطرتهم على المناطق الحدودية مع تركيا إلى دمشق من منع هجوم لتركيا الذي يهدد الرئيس رجب طيب أردوغان بشنه عبر الحدود.
وأكدت قوات سوريا الديمقراطية وجناحها السياسي أنّها ستدعم إنشاء منطقة عازلة إذا تم تأسيسها وإدارتها من قبل الأمم المتحدة أو التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. لكن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش قال إنّ الأمم المتحدة لا تخطط للمشاركة في إنشاء مثل هذه المنطقة الآمنة.
في غضون ذلك، يعارض الأكراد بشدة أي دور لتركيا في إنشاء تلك المنطقة الآمنة.
وفي حالة الاتفاق بالفعل على إنشاء منطقة آمنة بعمق 20 ميلا على طول الحدود الشمالية لسوريا، ستشمل تلك المنطقة جميع المدن الكردية الكبرى في البلاد.
ويقول نيكولاس هيراس، الباحث المعني بشؤون الأمن في منطقة الشرق الأوسط بمركز الأمن الأميركي الجديد: “المشكلة فيما يتعلق بالمنطقة العازلة هي قلة المعلومات المتوافرة حول الكيفية التي تتوقع بها الولايات المتحدة منع تركيا من مهاجمة قوات سوريا الديمقراطية. هذا هو لب الموضوع لأنّ نظرة تركيا للمنطقة العازلة تقتصر على أن يكون الجيش التركي هو صاحب السيطرة على مناطق التجمعات السكانية الرئيسية للأكراد في شمال شرق سوريا”.
وأضاف: “في المقابل، ينحدر جزء كبير من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية من هذه المناطق الكردية، ومن المتوقع أن تقاتل قوات سوريا الديمقراطية تركيا لأنّها لن ترضى بتفكيكها على أيدي الأتراك. وكان من المفترض أن ينضوي مبدأ إنشاء المنطقة العازلة على صفقة بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية تسمح بتقاسم السلطة في شمال شرق سوريا كوسيلة لمنع وقوع صراع كارثي بين تركيا والأكراد السوريين. وأي خطة قد تسمح لتركيا بالسيطرة على المناطق الكردية في شمال شرق سوريا ستجبر قوات سوريا الديمقراطية على الدخول في نزاع مع تركيا لأنّ قوات سوريا الديمقراطية تعلم أنّها مهددة بالزوال على أيدي تركيا”.
ولذلك، يقول هيراس إنّ قوات سوريا الديمقراطية تحاول التوصل إلى إتفاق مع روسيا والرئيس السوري بشار الأسد لمنع تركيا من الاستيلاء على أراضيها في سوريا.
واتفق ياشار ياكيش، وزير الخارجية التركي الأسبق، مع هيراس في أنّ مصطلحي “منطقة عازلة /آمنة” يكتنفهما الغموض.
وأضاف ياكيش “من الصعب إقامة منطقة آمنة كما تتصورها تركيا في شمال شرق سوريا، حيث سيقتضي الأمر إقناع روسيا وإيران والولايات المتحدة والعديد من أعضاء المجتمع الدولي بجدواها”.
وتابع بالقول إنّ تركيا لا تملك أي وسيلة لإقناع قوات سوريا الديمقراطية بالانسحاب سلميا من المنطقة.
وأردف قائلا “ومع ذلك، قد تجد تركيا في نفسها الشجاعة لتحقيق ذلك باستخدام قوتها العسكرية دون الحاجة إلى الإقناع. من جهة أخرى، إذا نجحت تركيا في إقناع الولايات المتحدة بوجهة نظرها، فإنّ لدى واشنطن الوسائل الكافية لإجبار وحدات حماية الشعب على إنشاء منطقة آمنة. لكن إذا أرادت تركيا لهذه المنطقة الآمنة أن تحظى بشرعية دولية، فيجب أن تحصل على موافقة مجلس الأمن الدولي، وهو ما يعني أنّ الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن – روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا – يجب أن يكونوا مقتنعين كذلك”.
ويعتقد ياكيش أنّ تركيا تخشى إنشاء منطقة آمنة على غرار تلك التي أقيمت في شمال العراق بعد حرب الخليج عام 1991، والتي سمحت للأكراد العراقيين بالحصول على الحكم الذاتي.
وأضاف: “سيكون هذا كابوسا يؤرق مضاجع تركيا، ولذلك ستقف بصرامة ضد بزوغ أي شكل من الكيانات الكردية في شمال سوريا”.
من جانبه، قال موتلو جيفير أوغلو، الخبير في الشؤون السورية والكردية، إنّ تغريدة ترامب توحي بتفضيله حماية الأكراد السوريين، حتى على فكرة إقامة المنطقة الآمنة التي ذكرها فيما بعد.
وأضاف: “ليس من الواضح ما الذي تعنيه هذه التغريدة حقا. وعلى افتراض أنّ إنشاء المنطقة العازلة هو إجراء ستبدأ بتنفيذه الولايات المتحدة بهدف حماية الأكراد، فسيكون ذلك خطوة إيجابية وسيقبلها الأكراد وحلفاؤهم”.
ومع ذلك، يعتقد جيفير أوغلو أنّ روسيا قد تتدخل لعرقلة إنشاء مثل هذه المنطقة.
وقال “من المؤكد أنّ موسكو تستطيع تقويض، ليس فقط فكرة هذه المنطقة الآمنة، وإنّما أيضا أي تطور في سوريا، بما أنّ لديها القدرة على فعل ذلك. لكن تحركها سيتوقف على التفاصيل. روسيا لديها القوة والقدرة على وأد أو صياغة الخطوات التي تتخذها تركيا والحكومة السورية أو أي طرف آخر في هذه المعادلة”.
من ناحية أخرى، يقول مصطفى غوربوز، الزميل غير المقيم في المركز العربي في واشنطن، إنّ الولايات المتحدة انخرطت في حوار مزدوج من خلال وعد تركيا بإنشاء منطقة آمنة على طول حدودها الجنوبية من جهة، والتعهد من جهة أخرى بحماية الأكراد السوريين من أي هجوم تركي محتمل.
وأضاف: “لن يتراجع قادة وحدات حماية الشعب عن موقفهم في ظني، سوف تسعى وحدات حماية الشعب للاستفادة من المنافسة بين الولايات المتحدة وروسيا لمنع إقامة المنطقة الآمنة من وجهة النظر التركية، وفي حالة الإتفاق بين تركيا وروسيا، قد تستخدم علاقاتها مع نظام الأسد. وبالتالي، ستكون مسألة المنطقة الآمنة قضية مزعجة بالنسبة لتركيا على أي حال”.

بول إيدن

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا سواء أكنت شاهد على قصة انتهاك او كنت الضحية او ترغب في ابداء الرأي عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: vdcnsy@gmail.com
اقترح تصحيحاً - وثق بنفسك - قاعدة بيانات