الأمن مفقود وتركيا لم توفر الاستقرار شمال سوريا

رغم أنّ المناطق التي اصطُلح على تسميتها “درع الفرات”، نسبةً للعملية العسكرية التركية في شمال غرب سوريا والتي بموجبها احتلت تركيا مدن جرابلس والباب واعزاز وعفرين مقابل صفقات عقدتها مع روسيا من جهة ومع تنظيم الدولة الإسلامية من جهة أخرى منذ نحو سنتين، لكن هذه المدن رغم مرور سنتين تعاني من وضع أمني داخلي هش، ولعل تعدد الفصائل والقوى المسيطرة، والتنافس بينها أحياناً على النفوذ، جعل مناطق “درع الفرات” تعيش حالةً من الفلتان الأمني، الذي وصل مرات عدة إلى نشوب اشتباكاتٍ بين القوى التي تسيطر هناك أدت لسقوط ضحايا في صفوف المدنيين.

“درع الفرات” هو الاسم الذي أطلقه الجيش التركي على العملية العسكرية التي بدأت في 24 أغسطس/آب 2016، باتفاقية عقدتها المخابرات التركية مع تنظيم الدولة الإسلامية لانسحابه من جرابلس لتدخها القوات التركية وبرفقة مجموعات سوريا كانت تقاتل سابقا تحت راية الجيش السوري الحر. وتضم مناطق “درع الفرات” مدناً وبلدات عديدة، أبرزها الباب، وإعزاز، ومارع، وجرابلس، والراعي، وعشرات القرى الأخرى الواقعة في شمال شرق حلب.

وتحولت هذه المناطق بحكم السيطرة التركية إلى وجهةً لسكان من ريف دمشق، وشمال حمص، وجنوب حماة، ودرعا، فضلاً عن سكانها المحليين الذين عاد قسم صغير منهم، فتركيا سعت مع روسيا وايران من خلال ما سمي باتفاقيات التسوية والمصالحات لنقل عشرات الآلاف من المسلحين مع عوائلهم من مدنهم بعد تسليمها للنظام السوري ضمن اتفاقيات تهجير طائفية، ثم سعت تركيا لاعادة تجنيد هؤلاء بهدف استخدامهم في حروبها ضد وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية بهدف اشغالهم عن قتال تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة ودير الزور ومناطق أخرى.
وأصبحت مناطق “درع الفرات” مكتظة بالسكان، الذين تضاعفت أعدادهم مع الوصول المزيد من المهجرين، وسيطرة النظام السهلة على المدن ولاسيما حلب الشرقية والغوطة ومدن اخرى…

في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، كشف إحصاء لـ”الحكومة المؤقتة” أنّ عدد سكان مدينة الباب لوحدها، ارتفع من 12 ألفاً، إلى 106 آلاف. وارتفعت نسبة السكان في المدن والبلدات المهمة الأخرى، كجرابلس التي بات عدد سكانها بحسب نفس الإحصاء 36 ألفاً، وصوران 25 ألفاً، والراعي نحو 20 ألفاً، ومارع مع دابق نحو 30 ألفاً، وغيرها.

واعتقد الناس انّ الحرب والقصف أصبح وراء ظهرهم، لكن ذلك لم يتوقف فالنظام لم يتجرء على استهداف المنطقة بحكم النفوذ التركي والوصاية الروسية، لكن النزاعات بين الفصائل المتعددة التي حولت هذه المدن لثكنات عسكرية ورفضت مغادرتها وفرض تقاسم نفوذها في الأحياء السكنية، واغراء القاصرين والشبان بالتطوع في صفوفها، وتطورت الأوضاع إلى نشوب خلافاتٍ بينها على النفوذ، وصل أحياناً إلى مواجهات مسلحة، كالاقتتال الذي دار بين “فرقة الحمزة” و”تجمّع أحرار الشرقية” نهاية مارس/آذار 2018، واقتتال آخر بين فصيلي “السلطان مراد” و”صقور الشام”، فضلاً عن مواجهات أخرى، لأسبابٍ تتعلق بنفوذ عائلات محلية مثل “آل واكي” لها مجموعات مسلحة، اصطدمت مع فصائل أغلب مقاتليها ليسوا من تلك المناطق حيث قتل لا أقل عن 10 مدنيين وأصيب 50 خلال 2018 لوحدها.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد حيث زادت التفجيرات بالاليات المفخخة والعبوات الناسفة وأدرجت مختلف الحالات ضمن حوادث الاقتتال والانتقام مابين الفصائل نفسها رغم توجيه الإتهام لأطراف خارجية حيث قتل لا أقل من 35 مدني وأصيب 100 في حوادث متفرقة.

ودربت الحكومة التركية، مئاتٍ من رجال الشرطة السوريين، وأرسلتهم على دفعاتٍ إلى مناطق “درع الفرات”، ليصبحوا نواة جهاز شرطة محلي قادر على التصدي لمظاهر الفلتان الأمني. إلا أنّ قوة الفصائل المسلحة، تفوق قوة جهاز الشرطة، الذي يقف عاجزاً في كثيرٍ من الأحيان، أمام النفوذ الأكبر للفصائل المسلحة، وللعائلات الكبيرة التي تتواجد في مدن وبلدات “درع الفرات” أولا كما وأنّ الفساد والرشوة والولاءت وعدم الجدية في العمل لضبط الوضع الأمني إلى جانب قلة الخبرة والتدريب ساهم في بقاء الوضع كما سابقه.

كما وأنّ المجالس المحلية التي مولتها قطر بمبالغ كبيرة، فشلت في الجانب الخدمي، حيث خرجت العديد من التظاهرات لاسيما في اعزاز وجرابلس بحل هذه المجالس وانتخاب مجالس جديدة جوبهت بتفجير خيم الاعتصام واعتقال قادة التظاهرات. المجالس شكلت أساسا لتقديم الخدمات وتنظيم شؤون المدن والبلدات والقرى لكن وظيفتها هذه لم تتم، وإنما تحول أعضائها إلى عملاء للمخابرات التركية في مراقبة الناس ومراقبة بعضهم بعضا لصالح المخابرات التركية، واصبحوا رموزا للفساد لا يستطيع أحد ازاحتهم.

وتقف مسألة تعدد الفصائل، على رأس أسباب عدم ضبط الوضع الأمني في مناطق “درع الفرات”، كما أنّ مسألة عدم تحكّم كافة الفصائل بجميع عناصرها، ومنعهم من أي تجاوزات، يلعب دوراً مهماً في الفلتان الأمني، إضافة لمسألة فوضى السلاح، وعشوائيته، إذ إنّ الفصائل تمتلكه، وكذلك العائلات الكبيرة، إضافة لبعض السكان الذين اقتنوا السلاح بدافع الحماية وسط حالة الفوضى الأمنية. ويقول ناشطون وسكان في “درع الفرات”، إنّ العائق الأساسي أمام ضبطٍ كاملٍ للأمن، هو عدم وجود إدارة واحدة لها قوة تنفيذية، تستطيع سحب السلاح من داخل المدن، وتفكيك الحواجز المتعددة للفصائل، وتعويضها بحواجز جهة واحدة، إضافة إلى ضرورة إبعاد كافة الفصائل من داخل المدن.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا سواء أكنت شاهد على قصة انتهاك او كنت الضحية او ترغب في ابداء الرأي عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: vdcnsy@gmail.com
اقترح تصحيحاً - وثق بنفسك - قاعدة بيانات