بيان حزب السلام في الذكرى الثامنة لاحتلال عفرين:
ضد “الوطنية” و”الثورة” التي أنتجت الاحتلال والتطهير العرقي
بعد ثماني سنوات على احتلال عفرين، في الثامن عشر من آذار/مارس 2018، ما يزال عشرات الآلاف من مهجريها خارجها، فيما تُدار أرضهم تحت سلطة احتلال شبه مباشرة، تمارس إدارة فعلية للجغرافيا والسكان، عبر أدوات عسكرية و أمنية و اقتصادية. عفرين منطقة كُردية في شمال سوريا (روجافا) واقعة فعلياً تحت احتلال تركي واضح المعالم، وما يجري فيها، من منع الاستقرار الدائم للعائدين، وإبقاء الملكيات تحت التهديد، وإخضاع الموارد لنمط استخراج قسري، هو استمرار يومي لهذا الاحتلال، وليس بقايا حدث قديم.
لكن الأخطر من الاحتلال نفسه هو الاعتياد عليه. في النقاش العام داخل الجغرافيا السوريّة، يجري التعامل مع عفرين بوصفها ملفاً مغلقاً، وكأن ما حدث في 2018 انتهى بانتهاء المعارك. ومع كل تصعيد جديد في مناطق أخرى، سواء في أحياء حلب الكُردية أو في كوباني والجزيرة، يُعاد توجيه الاهتمام نحو اللحظة الراهنة، بينما تُدفع عفرين إلى الخلف، باعتبارها “قضية سابقة”. هذا الفصل بين الهجمات الجارية واحتلال عفرين، يزيّف الوعي السياسي، ويحوّل أول نموذج كامل للاقتطاع الدائم والتطهير العرقي المنظّم، إلى تفصيل ثانوي في السردية العامة.
احتلال عفرين كان تطبيقاً مباشراً لبنية سياسية، أنتجتها الحرب السورية منذ 2011. بنية حوّلت الطائفية والعرقية والعسكرة الدينية إلى أدوات منظّمة، لإعادة توزيع الجغرافيا عبر إقطاعيات حرب مدعومة إقليمياً. ما جرى في عفرين كشف البنية الفعلية للصراع في الحرب الأهلية السورية، إذ تحوّلت الحرب إلى آلية بنيوية لفرض واقع ديمغرافي واجتماعي وثقافي جديد، جرى تسويغه تحت غطاء “الوطنية السورية” الأحادية والمركزية، بينما تشكّل على الأرض نظام ريعي وزبائني، قائم على اقتصاد الغنيمة وإدارة الولاءات.
بدأت نتائج تلك البنية تظهر بشكل الفعلي في ريف عفرين، منذ أواخر عام 2012، حين هاجمت فصائل مسلحة (من بينها جبهة النصرة، التي أعادت إنتاج نفسها لاحقاً باسم “هيئة تحرير الشام”) قرية قسطل جندو، ومدينة رأس العين/سري كانيه، مسلّحةً بدعم تركي، وخطاب إسلامي، اعتبر الانتماء الكردي أو الإيزيدي مبرراً كافياً للعنف والخطف. هذا الخطاب شكًل امتداداً مبكراً لمسار عسكرة دينية، غذّته شبكات دعم إقليمي مباشر، وأنتج في النهاية السيطرة الكاملة على عفرين عام 2018.
كانت عفرين محاصرة جغرافياً منذ السنوات الأولى للحرب، عبر طوق من الفصائل المدعومة خارجياً، ما قطع طرق الإمداد، وجعل المنطقة مكشوفة استراتيجياً. وهذا العزل كان مقدمة للاحتلال. فيما سعى السكان المحليون إلى كسر العزل المفروض عليهم، عبر تبني إطار “الإدارة الذاتية” و”قوات سوريا الديمقراطية” في عام 2015، في محاولة للسيطرة على إدارة شؤونهم الحياتية الأساسية؛ كما سعوا إلى خرق الطوق العسكري المفروض عليهم. إلا أن شدة الحصار، وتغّير موازين القوى الإقليمية، جعلا هذا الإجراء غير كافٍ.
على الجانب الآخر أنتج خطاب الميليشيات الإسلامية، المبني على مفردات “الوطنية السورية”، و”حماية الوحدة” و”محاربة الانفصالية”، واقعاً احتلالياً مباشراً: سيطرة دولة أجنبية، وتغييراً ديمغرافياً منظماً، وإخضاعاً اقتصادياً وبيئياً. هذا التناقض يكشف هشاشة مفهوم “الوطنية السورية” الأحادية، الذي تحول إلى أداة قمع واستئصال، قابلة للاستخدام من أية قوة مهيمنة.
إن رفع الأعلام التركية في عفرين، وتقسيمها إدارياً تحت إشرف ولايات تركية، وفرض العملة واللغة التركية فيها، يحوّل المكان إلى فضاء سياسي وثقافي مُعاد تشكيله بالقوة. وإلى جانب ذلك، تجلّى التطهير العرقي، الذي يصل إلى حد الإبادة الوجودية للمكان وأنماط حياة سكانه، في السيطرة على الموارد الحيوية، عبر خفض تدفق نهر عفرين، واستنزاف مياه سد ميدانكي، وإعادة تنظيم الاقتصاد المحلي ضمن اقتصاد غنيمة مسلّح، تُفرض فيه الإتاوات على الإنتاج الزراعي، ويُربط فيه بقاء السكان بقرار عسكري خارجي. فضلاً عن هذا، تعرّضت نساء المنطقة، لعمليات خطف وانتهاك منظّم، من قبل الميليشيات المسيطرة، وفُرضت عليهن رموز الإسلام السياسي، ومنظوراته الثقافية والحياتية. كل هذه الممارسات تمثّل آليات متكاملة لإعادة هندسة المكان اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وحيوياً، بحيث يصبح غير قابل للعودة. ومن هنا يغدو شعار «امرأة، حياة، حرية» تعبيراً عن نقيض بنيوي لهذا النموذج القائم على السيطرة والاقتلاع.
اليوم, ما يزال عشرات الآلاف من أهالي عفرين مُهجّرين، تُدار أرضهم تحت إدارة عسكرية أجنبية شبه مباشرة، تفرض نمطاً اقتصادياً أقرب لاقتصاد الحرب، وتمنع العودة الدائمة. هذا الواقع هو استمرار يومي للبنية ذاتها، التي أنتجت مجازر العلويين، ومحاولات السيطرة على السويداء، والمجازر بحق الدروز.
يرفض حزب السلام PPS هذه البنية الاحتلالية والإبادية جذرياً، ويُحمّل الدولة التركية، ووكلائها من ميليشيات إرهابية في سوريا، المسؤولية القانونية المباشرة عن حالة الاحتلال في عفرين، وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة فيها، ولا يمكن فصل هذه المسؤولية عن دور تركيا الأوسع في إنتاج بيئة العنف والإرهاب في سوريا، عبر دعم وتوجيه الفصائل الإرهابية، والمساهمة في تثبيت أنماط حكم قائمة على القوة، خارج أي إطار قانوني. كما أن استمرار هذا الواقع يرتبط أيضاً بعجز أو امتناع دولي عن التعامل مع الحالة، بوصفها احتلالاً قائماً، ما يساهم في تحويلها إلى نموذج قابل للتكرار في سياقات أخرى.
انطلاقاً من ذلك، يؤكد الحزب على أن قضية عفرين لا يمكن معالجتها ضمن مقاربات جزئية، بل تتطلب تفكيك البنية التي أنتجت الاحتلال، ومنعت إنهاءه، وذلك عبر:
1. الاعتراف القانوني الدولي بحالة عفرين، بوصفها احتلالاً، ومساءلة الدولة التركية أمام الجهات القضائية الدولية المختصة.
2. ضمان حق العودة الآمنة وغير المشروطة لجميع المُهجّرين، وإعادة الملكيات إلى أصحابها، وإلغاء كافة الإجراءات التي غيّرت البنية السكانية بالقوة.
3. تفكيك البنية الاقتصادية الريعية والزبائنية المفروضة على المنطقة، وإعادة تنظيم الموارد، بما يضمن استقلالها عن شبكات السيطرة الميليشياوية.
4. رفض استخدام مفاهيم “السيادة” و”الوحدة” و”الوطنية”، بصفة أدوات لتبرير العنف أو الإقصاء، والعمل على بناء نموذج سياسي قائم على اللامركزية الديمقراطية، والمواطنة المتساوية، والعلمانية.
5. إعادة إدراج عفرين ضمن الإطار العام لمساءلة البنية التي أنتجت العنف في سوريا، بوصفها جزءاً من المسار نفسه، الذي أدى إلى مجازر جماعية، واستهدافات إثنية وطائفية، في مناطق أخرى من الكيان السوري.
18/3/2026