تشهد مدينة كوباني (عين العرب)، الواقعة شمال سوريا، استمرار حصار شامل يطال ما يقارب مليون مدني، بينهم نحو 150 الفا نازحاً داخلياً. ويترافق هذا الحصار مع تحشّد مسلحين موالين للسلطة الانتقالية في محيط المدينة، إضافة إلى تقارير متواترة عن عمليات نهب ممنهجة طالت قرى وبلدات كردية مجاورة. ويهدف هذا التقرير إلى توصيف الوقائع وتحليلها في ضوء أحكام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتقييم مدى انطباق توصيفات الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب عليها.
ويدخل الحصار المفروض على مدينة كوباني يومه السادس والثلاثين على التوالي، في ظل استمرار إغلاق جميع المنافذ ومنع الدخول والخروج، ما يفاقم الأزمة الإنسانية التي تطال قرابة مليون مدني.
أولاً: عرض الوقائع
1. حصار كامل للمدينة من جميع الجهات، مع إغلاق الطرق ومنع الدخول والخروج.
2. انقطاع شامل للكهرباء والوقود والاتصالات والإنترنت.
3. منع إدخال المواد الأساسية، بما فيها الخضروات والأدوية، إلا عبر التهريب، ما أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار وتفاقم الأزمة المعيشية.
4. توقف شبه كامل للحركة التجارية والأنشطة الاقتصادية.
5. توقف العملية التعليمية نتيجة الظروف الأمنية والمعيشية.
6. تقارير عن عمليات نهب وسلب منظم لممتلكات مدنيين في قرى وبلدات كردية مجاورة.
7. استمرار تحشّد مسلحين في محيط المدينة، ما يثير مخاوف جدية من تصعيد عسكري جديد.
ثانياً: الإطار القانوني الناظم
1. القانون الدولي الإنساني
ينطبق في حالات النزاع المسلح غير الدولي، وهو الإطار القانوني المرجح في الحالة السورية.
* تحظر المادة 3 المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 الاعتداء على المدنيين ومعاملتهم معاملة قاسية أو مهينة.
* يحظر البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، ويمنع استهداف أو تعطيل الأعيان الضرورية لبقاء السكان المدنيين، مثل المواد الغذائية وشبكات المياه والطاقة.
* يحظر النهب والسلب بشكل مطلق في النزاعات المسلحة، سواء ارتكبه أفراد أو مجموعات مسلحة.
2. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية
وفق المادة 8 من نظام روما الأساسي لعام 1998:
* يُعد تجويع المدنيين عمداً بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم جريمة حرب.
* يُعد النهب من جرائم الحرب في النزاعات المسلحة غير الدولية.
3. القانون الدولي لحقوق الإنسان
حتى في حالات النزاع، تظل الدولة ملزمة باحترام الحقوق الأساسية، ومنها:
* الحق في الحياة.
* الحق في الصحة.
* الحق في الغذاء.
* الحق في التعليم.
* الحق في مستوى معيشي لائق.
انقطاع الكهرباء والدواء والمواد الغذائية، ومنع الوصول إلى الخدمات الصحية، وتوقف التعليم، كلها تمثل انتهاكاً لالتزامات أساسية لا يجوز تعطيلها بصورة تعسفية أو جماعية.
ثالثاً: التكييف القانوني للانتهاكات
1. الحصار وتجويع المدنيين
إذا ثبت أن الحصار يهدف أو يؤدي بصورة متوقعة إلى حرمان السكان المدنيين من الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، فإنه قد يرقى إلى مستوى تجويع المدنيين كأسلوب حرب، وهو محظور ويشكل جريمة حرب.
2. العقاب الجماعي
فرض حصار شامل على مدينة مأهولة دون تمييز بين أهداف عسكرية ومدنيين قد يشكل شكلاً من أشكال العقاب الجماعي، وهو محظور بموجب القانون الدولي الإنساني.
3. النهب المنهجي
عمليات السلب والنهب الممنهج لممتلكات المدنيين في القرى والبلدات الكردية تشكل انتهاكاً جسيماً وترقى إلى جريمة حرب إذا ارتكبت في سياق نزاع مسلح.
4. قطع الخدمات الأساسية
الحرمان المتعمد أو غير المتناسب من الكهرباء والاتصالات والوقود، إذا أدى إلى تهديد حياة المدنيين أو منع حصولهم على العلاج، قد يشكل انتهاكاً خطيراً للحق في الحياة والصحة.
رابعاً: الآثار الإنسانية
* تفاقم سوء التغذية، خاصة بين الأطفال والمرضى وكبار السن.
* ارتفاع معدلات الوفيات نتيجة نقص الدواء وصعوبة الإحالة الطبية.
* انهيار العملية التعليمية وتأثيرات طويلة الأمد على الأطفال.
* تدهور الوضع الاقتصادي وانعدام سبل العيش.
* تصاعد مشاعر الخوف وعدم الاستقرار نتيجة التحشّد العسكري المحيط.
خامساً: المسؤولية القانونية
تقع المسؤولية القانونية على عاتق كل طرف يثبت تورطه في فرض الحصار أو منع الإمدادات أو ارتكاب أعمال النهب. وتشمل هذه المسؤولية:
* المسؤولية الجنائية الفردية للقادة والأفراد الذين أمروا أو سهلوا أو نفذوا الانتهاكات.
* المسؤولية الدولية للسلطات القائمة فعلياً على الأرض إذا ثبت إخلالها بالتزاماتها بحماية السكان المدنيين.
سادساً: التوصيات
1. الرفع الفوري وغير المشروط للحصار عن مدينة كوباني.
2. ضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية دون عوائق.
3. وقف جميع أعمال النهب ومحاسبة المسؤولين عنها.
4. إعادة تشغيل الخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والاتصالات.
5. تمكين بعثات تقصي الحقائق والمنظمات الإنسانية من الوصول الآمن إلى المدينة.
6. حماية العملية التعليمية وضمان عودة الطلاب إلى مدارسهم في بيئة آمنة.
إن استمرار حصار مدينة كوباني في ظل المعطيات المشار إليها يشكل، وفق المعايير القانونية الدولية، وضعاً بالغ الخطورة قد يرقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وجرائم حرب، إذا ثبتت نية تجويع المدنيين أو استهدافهم بصورة ممنهجة. ويتطلب الوضع تحركاً عاجلاً من المجتمع الدولي لضمان حماية السكان المدنيين ووضع حد للانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها وفقاً للقانون الدولي.