بعد مرور عامين على “الاحتلال”: عفرين تتعرّض لأشد عمليات التتريك لمناطق الشمال السوري

في إطار 3 عمليات “درع الفرات” و “غصن الزيتون” و “نبع السلام”، تسيطر تركيا حالياً على الأراضي السورية المحاذية لحدودها الجنوبية الشرقية، ابتداء من بلدة جرابلس من الشرق وانتهاء بعفرين الكردية في شمال غربي البلاد اضافة لمدينتي تل ابيض ورأس العين شرق الفرات.

حيث خاضت تركيا ثلاث معارك في سوريا قبل أن تدخل في مغامرة إدلب وهي:

درع الفرات: في 24 من آب 2016، بدأت تركيا عملية عسكرية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” بعدما أدركت أن وحدات حماية الشعب ستواصل حملتها ضد التنظيم في ريف حلب، استهدفت العملية أولًا مدينة جرابلس الواقعة على الضفة الغربية لنهر الفرات، بريف حلب الشمالي.

وانتهت العملية العسكرية في 29 من آذار 2017، بعد أن استطاع الجيش التركي، السيطرة على جرابلس (التي انسحب التنظيم منها دون قتال في الساعات الاولى) مرورًا بمناطق وبلدات مثل الراعي ودابق واعزاز ومارع، وانتهاءً بمدينة الباب.

غصن الزيتون:
في 20 من كانون الثاني 2018، بدأت القوات التركية و”الجيش الوطني السوري” عملية عسكرية في منطقة عفرين السورية، حملت اسم “غصن الزيتون”، خلال هذه العملية سيطر الجيش التركي على مدينة عفرين وضواحيها كـ شيران راجو وجندريس وغيرها من القرى والبلدات.

نبع السلام”
في 9 من تشرين الأول 2019، أعلن الرئيس التركي إطلاق عملية “نبع السلام” واستهدفت العملية نقاط وجود “قوات سوريا الديمقراطية” في منطقة شرق نهر الفرات شمال شرقي سوريا، وتمكن الجيش التركي خلالها من السيطرة على مدينة تل أبيض بريف الرقة ورأس العين بريف الحسكة بالإضافة للمناطق الممتدة بينهما.

ولم تتأخر تركيا في كشفت وجهها الاستعماري القديم المُتجدّد في سعيها المتواصل لتتريك المناطق السورية، وبشكل خاص عفرين والمناطق الأخرى التي خضعت لتغيير ديمغرافي مُمنهج باعتراف الأمم المتحدة دون أن تُحرّك ساكناً.

وتشرف تركيا بشكل مباشر على المجالس المحلية التي تدير المناطق الواقعة بين جرابلس والباب وعفرين، وتل أبيض ورأس العين وهي تتبع ما يُسمّى بـ “الحكومة السورية المؤقتة” التي تتخذ من تركيا مقرًا لها وتستلم رواتب موظفيها من الحكومة التركية.

ويتبع مجلس عفرين إدارياً لمقاطعة أنطاكيا (هاتاي) التركية المجاورة. وجاء في تقرير لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بأن حاكم هاتاي قد عيّن اثنين من المسؤولين الأتراك للإشراف على الحكم في منطقة عفرين.

ولا يقتصر الوجود التركي في سوريا على الجانب العسكري فقط، بل تعمل السلطات التركية بالتعاون مع الفصائل السورية المعارضة الموالية لها على نشر الثقافة واللغة التركية، وافتتاح مدارس إسلامية تركية شبيهة بمدارس “إمام خطيب”، إلى جانب احتكار المشاريع الاقتصادية الرئيسية في المنطقة، حيث لا يُسمح سوى للمنظمات المسجلة في تركيا بالعمل في عفرين، وذلك وفقاً لما نشرته الـ “بي بي سي” في تقرير موثق لها مؤخراً.

تركيا تتبع سياسة التتريك في عفرين على وجه الخصوص، عبر إزالة أي رمز كردي في المدينة وتغيير أسماء الشوارع والساحات الرئيسية وتجريدها من أي إشارة إلى هويتها الكردية، وانتشار الأعلام التركية وصور أردوغان في الدوائر الرسمية والمدارس والأماكن العامة.

كما تخطط تركيا لتجديد وتحويل منزل “حنيف اغا” في قرية حج خليل بمنطقة راجو بعفرين إلى متحف بحجة أنّ مؤسس الجمهورية التركية كمال أتاتورك اتخذه كمقر له خلال الحرب العالمية الأولى، لكن الرواية الحقيقة كشف عنها الصحفي حسين جمو:

حين انهزم مصطفى كمال في الشام، هرب ومن معه من حلب، واتجهوا إلى منطقة عفرين كممر للنجاة والوصول إلى مناطق التواجد العسكري التركي. فاستضافه آغا كردي من عفرين، ومكث مصطفى كمال لديه بعضة أيام، في أمان من أي غدر قد تلحقه به جماعة بريطانيا في الشام.
بعد مئة عام، يأتي أحفاد مصطفى كمال، ويصورون هذا المنزل الذي كان مختبئاً فيه بحماية من الآغا العفريني، على أنه مقر العمليات العسكرية لمصطفى كمال، واتخذت هذه الحادثة كأرضية لضمها لتركيا وتغيير ديمغرافيتها.

ومنذ يناير 2018، تحدثت عدة منظمات حقوقية عالمية وتقارير من المنظمات الدولية ووسائل إعلامية عن تردّي الحالة الاقتصادية والأمنية والإنسانية في عفرين التي استمرت الحملة العسكرية عليها نحو شهرين، وانتهت بسيطرة الجيش التركي والفصائل السورية الموالية له على المنطقة.

وقد نزح إثر ما سُميّ “غصن الزيتون” ما يزيد عن 200 ألف مواطن كردي من عفرين والقرى المحيطة بها، ليحلّ مكانهم نازحو دوما والغوطة الشرقية وحمص وحماه وغيرها من سكان المناطق التي استعادتها الحكومة السورية من الفصائل المُعارضة لها والموالية لتركيا.

ولدى عودة عشرات الآلاف من المدنيين الذين نزحوا عنها إلى منازلهم في عفرين، لم يجدوا سوى منازل خاوية، وفي حالات أخرى، وجد العائدون منازلهم مسكونة من قبل مقاتلي الجماعات المسلحة وعائلاتهم.

لجنة حقوق الإنسان المستقلة التابعة للأمم المتحدة نشرت في تقرير أصدرته في الـ 31 من يناير 2019، قولها إنّ أكثر من 50 جماعة مسلحة منتشرة في شمال سوريا، وأن الانتهاكات التركية في عفرين تصل لمستوى جرائم حرب.

ويعاني سكان تلك المناطق وخاصة عفرين التي كانت ذات غالبية كردية قبل سيطرة تركيا عليها من أعمال النهب المستمرة من قبل من يُفترض بهم أن يكونوا في خدمة وحماية المواطنين، كما أن غياب القانون والانضباط وتكرار حالات الاختطاف والتعذيب وانتشار العصابات، حوّل حياة الناس إلى جحيم لا يطاق.

ويقول المواطنون إنهم اشتكوا كثيرا عند الشرطة المحلية والسلطات التركية ، لكن دون جدوى.

وذكر التقرير أن معظم المعتقلين والمخطوفين هم من الأكراد وخصوصا النشطاء الذين ينتقدون ما تقوم به تلك الجماعات من أعمال سلب وخرق للقوانين.

وتلقى المجلس الأممي لحقوق الإنسان تقارير عن المضايقات التي يتعرّض لها المدنيون من قبل أعضاء الجماعات المسلحة، ومطالبتهم بالرشاوي لتسيير أبسط أمورهم اليومية وخاصة عند نقاط التفتيش المنتشرة في المنطقة.

ولاحظ السكان استمرار وجود القوات العسكرية التركية في عفرين واستخدام المدارس لأغراض عسكرية هناك، وذلك على الرغم من ادعائها الانسحاب.

وقال سكان المنطقة إنهم غير قادرون على التحرك ضمن عفرين والمناطق المجاورة لها، ما لم يمتلكوا أوراقاً ثبوتية صادرة عن السلطات التركية.

وأشار السكان في عفرين إلى أن القضاة والمحامين السوريين لا يُعيّنون إلا بالتنسيق مع وزارة العدل التركية، وأن ضباط الشرطة المدنية وغيرهم من العسكريين يتم تدريبهم من قبل السلطات التركية.

ووصف الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات من قبل الأمم المتحدة، الهياكل الإدارية والتنفيذية، بأنها غير فعالة على الإطلاق وغير قادرة على معالجة الانتهاكات التي تمارسها عشرات الجماعات المسلحة.

وترى اللجنة أن هناك أسباباً كافية تؤكد بأن عناصر الجماعات المسلحة في عفرين ارتكبت جرائم حرب، مثل اختطاف الناس والمعاملة القاسية والتعذيب والنهب ومضايقة النساء.

وفي هذا الاطار وثق ( مركز توثيق الانتهاكات في شمال سوريا ) منذ بداية الغزو التركي وحتى شباط من العام الحالي ارتكاب هذه الفصائل السورية المسلحة الموالية لتركيا وبمشاركة الجيش التركي لجرائم وانتهاكات على مختلف الأصعدة حيث قامت بقتل ( 1926 ) مدني في المناطق الخاضعة لتركيا شمال سوريا سواء من السكان الاصليين أو من النازحين داخليا، من بينها (83 شخصا) قتل تحت التعذيب. كما وصلت حالات الاعتقال على يد الفصائل ذاتها وبمشاركة الجيش التركي إلى (6201 ) حالة تضمنت توثيق (789) حالة تعرضت للتعذيب.

ولم تكتفي هذه الفصائل المسلحة بالاعتقال والتعذيب بل قامت بخطف مواطنين مدنيين لتطالب أهاليهم بفديات مالية مقابل اطلاق سراحهم حيث وثق مركزنا في هذا الإطار تسجيل 718 حالة خطف ,كما تم تسجيل إصابة (2185) شخص بجروح مختلفة نتيجة مداهمة المنازل أو شظايا المتفجرات أو نتيجة تعرضهم للضرب من قبل المسلحين كما قامت قوات الجيش التركي الذي يدعم هذه الفصائل الإسلامية المتطرفة بـ 2159 عملية قصف جوي لمؤزارة هذه الفصائل و 556 حالة قصف مدفعي بالهاون على قرى آهلة بالسكان .

ولم تكتفي هذه الفصائل بهذه الانتهاكات بحق الأهالي بل كثيراً ما نشبت بينها اشتباكات واقتتال من أجل توسيع مناطق سيطرتها والاستحواذ على ممتلكات الأهالي وفي هذا الاطار سجل مركزنا 490 حالة اقتتال بين الفصائل نفسها وكثيراً ما وقعت ضحايا من المدنيين نتيجة هذه الأشتباكات والاقتتال بين الفصائل لأن أغلبها كانت تحدث داخل المدن المكتظة بالمدنيين , كما كان للجيش التركي الداعم لهذه الفصائل حصته من هذه الجرائم حيث تم تسجيل 454 حالة قتل وإصابة لاجئ سوري على الحدود مع تركيا أثناء محاولتهم الفرار من جحيم الحرب الدائرة في سوريا، بينهم ( 85 طفلا دون سن 18 عاما، و 59 امرأة) كما وارتفع عدد الإصابات بطلق ناري أو اعتداء إلى 451 شخصا.

وبعد أن تخلت العديد من هذه الفصائل عن المناطق التي كانت تسيطر عليها داخل سوريا في صفقات بين النظام السوري وتركيا وبرعاية روسية وتوجهت إلى شمال سوريا قامت بالاستيلاء على أملاك المدنيين في هذه المناطق الجديدة وفي هذا المجال وثق مركزنا تسجيل (3291) حالة لمصادرة الملكيات الخاصة من منزل وغيرها وتحويل بعضهم إلى سجون أو مراكز عسكرية أو مسجد، كما وجرى توثيق (239) حالة حرق متعمد لممتلكات الأهالي (المنازل والمحلات وبساتين). وتوثيق هدم ( 378) منزل. ولم تسلم منهم حتى القبور حيث قاموا بجرف (1950) قبراً, كما قاموا بتحويل 109 مرفقاً عاماً من مدارس ومراكز تعليمية وخدمية إلى مقرات عسكرية.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا سواء أكنت شاهد على قصة انتهاك او كنت الضحية او ترغب في ابداء الرأي عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: vdcnsy@gmail.com
اقترح تصحيحاً - وثق بنفسك - قاعدة بيانات