الهجوم على سوريا يفضح سياسة تركيا الكارثية لمكافحة الإرهاب

يبدو أن جهود تركيا المثيرة للجدل الرامية لمكافحة الإرهاب في شمال شرق سوريا قد آلت بها إلى استخدام مقاتلي الدولة الإسلامية (داعش) لتهديد أوروبا، بينما تفقد دعم حلفاء رئيسيين لها مثل الولايات المتحدة.
وقد صرح وزير الداخلية التركي سليمان صويلو للصحفيين بأن تركيا ستعيد أعضاء تنظيم داعش المعتقلين إلى بلدانهم حتى ولو ألغت تلك الدول جنسياتهم.
يرى بليز ميستال، وهو زميل في معهد هدسون الأميركي للأبحاث، أن تصريحات صويلو تشبه تهديد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المتكرر بـ”فتح البوابات” والسماح للاجئين بالتدفق إلى أوروبا.
وقال ميستال: “من الصعب أن نعتبر ذلك أي شيء آخر غير كونه امتدادا لنفس الابتزاز الذي تمارسه تركيا بشأن اللاجئين السوريين”. وأضاف: “إنه حقا تهديد مبطن للدول الأوروبية”.
وفي نفس اليوم أيضا، طالبت تركيا ألمانيا باستعادة 20 عضوا من أعضاء تنظيم داعش.
ثمة ما يقرب من 2000 مقاتل أجنبي من داعش و11 ألف فرد من أفراد أسرهم محتجزون في معسكرات الاعتقال التي يسيطر عليها الأكراد في شمال شرق سوريا. وقال صويلو أيضا إن تركيا تحتجز 1200 عضو من أعضاء داعش في السجون التركية، وألقت القبض على 287 من أعضاء التنظيم في شمال شرق سوريا.
أسفرت العملية التركية في سوريا، التي بدأت في التاسع من شهر أكتوبر الماضي، عن مقتل ما لا يقل عن 250 شخصا، معظمهم من الأكراد، وتشريد حوالي 300 ألف شخص، مما أثار مخاوف من التطهير العرقي لدى مراقبين بارزين من بينهم سفيرة الولايات المتحدة السابقة لدى الأمم المتحدة سامانثا باور.
يتمثل الهدف العسكري الرئيسي لتركيا في القضاء على قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن إنه تم توجيه ضربة قوية إلى وحدات حماية الشعب، ودعا الحلفاء الغربيين إلى تقديم الدعم.
وأضاف قالن: “تتوقع تركيا من حلفائها، سواء الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو أي دولة أخرى، أن يتخذوا موقفا واضحا ومحاربة حزب العمال الكردستاني بالافعال وليس على الورق”.
كانت القوات الأميركية تفقدت وحدات حماية الشعب في القامشلي بشمال شرق سوريا يوم السبت، وقال مصدر لوكالة الأنباء الفرنسية (فرانس برس) إن الولايات المتحدة تخطط لإقامة نقطة عسكرية هناك. ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين أميركيين قولهم إن قافلة أميركية شهدت يوم الأحد سقوط قذائف مدفعية قرب موقعها القريب من بلدة تل تمر حيثما اشتد القتال بين القوات التركية والكردية.
جاء ذلك عقب حادثة وقعت في الآونة الأخيرة عندما أطلقت القوات التركية النار على مواقع أميركية في كوباني. وفي يوم الأحد أيضا، قالت منظمة “فري بورما رينجرز” للإغاثة إن أحد موظفيها لقي حتفه وأُصيب آخر في غارة تركية بالطائرات المسيرة بالقرب من تل تمر.
يقول ميستال، الذي يتوقع استمرار الاحتكاكات بين القوات الأميركية والقوات التركية والفصائل الموالية لها بل وتصاعدها طالما ظلت المهمة الأميركية في شمال شرق سوريا غامضة: “ما أرادته الولايات المتحدة هو تجنب المواجهة مع القوات التركية، ولم تكن تريد بالضرورة إنهاء الشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية في مكافحة الإرهاب”.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال إن القوات الأميركية ستبقى في سوريا لحماية حقول النفط الخاضعة لسيطرة الأكراد، لكن القوات الأميركية واصلت الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية. وبعد مقتل زعيم داعش أبو بكر البغدادي في عملية أميركية، ذكرت وكالة بلومبرغ أن الولايات المتحدة تتحرى عن صلات محتملة بين الاستخبارات التركية وداعش، لاسيما وأن الجيش التركي لديه نقاط مراقبة ليست ببعيدة عن المكان الذي كان يختبئ فيه البغدادي.
ويقول ميستال إن تركيز تركيا على حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب قد أعماها عن أشكال أخرى للإرهاب، مشيرا إلى مبعث قلق غالبا ما يتم إغفاله فيما يتعلق بالإرهاب في شمال سوريا: ما الذي قد يحدث لهيئة تحرير الشام، وهي جماعة مرتبطة بتنظيم القاعدة وعلى صلة بتركيا، بعد أن تطردها قوات الرئيس السوري بشار الأسد من إدلب. وتساءل ميستال قائلا: “إلى أين سيذهبون؟ وكيف ستكون علاقتها (هيئة تحرير الشام) مع تركيا؟”
واستشهد ميستال أيضا بتقارير تفيد بأن خلايا داعش لا تزال موجودة في تركيا اليوم، وأن الآلاف من المقاتلين الأجانب سافروا عبر تركيا للانضمام إلى داعش، وأن المخابرات التركية أرسلت أسلحة إلى مقاتلي المعارضة في سوريا.
يقول ميستال: “هناك قصر نظر في الحكومة التركية بشأن من هو إرهابي حقا”، مشيرا إلى أن البغدادي قُتل في محافظة إدلب التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام.
وأضاف ميستال أن ذلك يظهر الإفلاس الأخلاقي لحجة تركيا بأن تركيزها منصب على وحدات حماية الشعب فقط. والآن، وبدلا من أن تكون حليفتها الولايات المتحدة هي شريكة وحدات حماية الشعب، تواجه تركيا احتمال خضوع الميليشيا الكردية السورية تحت سيطرة حكومتي موسكو ودمشق اللتين تربطها بهما علاقات أقل ودية.
وأوضح قائلا: “لن تكون لدى سوريا وروسيا الرغبة حقا في القضاء على وحدات حماية الشعب بالطريقة التي تريدها تركيا”، مشيرًا إلى أن كلا من روسيا وسوريا تحالفتا مع حزب العمال الكردستاني ضد تركيا في تسعينات القرن العشرين.
وتابع: “في المستقبل، ربما تكونان أكثر استعدادا من الولايات المتحدة لتسليح وحدات حماية الشعب، وأكثر استعدادا منها لدعم حزب العمال الكردستاني داخل تركيا”.
بالفعل، يجلس القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم كوباني الآن على مائدة المفاوضات مع الولايات المتحدة وروسيا. ويقول إريم “تركيا ليست سعيدة تماما لأنه لاتزال هناك عناصر من وحدات حماية الشعب في المنطقة”، مضيفا أن أنقرة تحتفظ بحقها في استئناف العمليات العسكرية حسبما تقتضي الحاجة.
وأشار ميستال إلى أن أردوغان دعم مقاتلي المعارضة الذين يسعون للإطاحة بالأسد لسنوات، ولايزال يدعم قوات المعارضة السورية مثل هيئة تحرير الشام في إدلب.
وأضاف ميستال: “من المنطقي أن يريد الأسد أن يرد عليه بالمثل، وأن تكون لديه قوة موالية له يمكنه نشرها للعمل ضد تركيا”.
وتابع: “أعتقد أن تركيا تزيد من وضعها سوءا على الحدود السورية التركية في الأمد الطويل. فهي تهيئ الظروف المناسبة لتحقيق نفس الشيء الذي تريد الحيلولة دونه، ألا هو تعزز قوة حزب العمال الكردستاني”.

دافيد ليبسكا

اقترح تصحيحاً - وثق بنفسك - قاعدة بيانات