تقرير حقوقي حول الاعتداء على الكرد العائدين إلى منازلهم في كرى سبي (تل أبيض) وحرق سياراتهم وممتلكاتهم
التاريخ: 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026 | المكان: كرى سبي (تل أبيض)، ريف الرقة الشمالي، سوريا
شهدت بلدة كرى سبي (تل أبيض)، اليوم الاثنين 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026، اعتداءات استهدفت عائلات كردية مهجّرة عادت إلى منطقتها الأصلية بهدف استعادة منازلها وأراضيها وممتلكاتها، بعد سنوات من النزوح والتهجير منذ عام 2019.
وتعرّض العائدون للاعتداء الجسدي والتهديد والإهانة، فيما أقدم مهاجمون على تحطيم سياراتهم وإحراقها. واضطرت العائلات إلى الاحتماء داخل مبنى الإدارة المحلية، وسط مخاوف على سلامة النساء والأطفال، يقدر اعدادهم بنحو مئة شخص داخل المبنى تحت الحصار أو التطويق، والتهديل بالقتل.
وتكتسب الحادثة خطورتها من وقوعها أثناء محاولة الأهالي العودة إلى ممتلكاتهم الأصلية عبر إجراءات كان يُفترض أن تتيح لهم تقديم وثائق الملكية ومتابعة استعادة حقوقهم، لا أن تتحول إلى مواجهة واعتداءات تهدد حياتهم وسلامتهم.
خلفية الحادثة
منذ عام 2019، عقب العملية العسكرية التركية المعروفة باسم «نبع السلام» وسيطرة القوات التركية وفصائل سورية مسلحة متحالفة معها على المنطقة، تعرّض سكان من المناطق الحدودية وتقدر اعدادهم بآلاف المدنيين الكرد، للنزوح والتهجير. وخلال السنوات اللاحقة، ظلّت قضايا استعادة المنازل والأراضي والممتلكات من أبرز العقبات أمام عودة السكان الأصليين.
وفي الحادثة الأخيرة، فان العائلات العائدة جاءت مصطحبة وثائق تثبت ملكيتها لمنازل وأراضٍ، وأن عودتها كانت منسّقة مسبقاً مع جهات إدارية وأمنية. إلا أن وجود أشخاص يقيمون في الممتلكات المتنازع عليها، ورفض عودة أصحابها الأصليين، أدى إلى تصاعد التوتر وصولاً إلى الاعتداء على العائدين ومركباتهم.
تفاصيل الاعتداءات والانتهاكات المبلغ عنها
شملت الحادثة عدداً من الانتهاكات:
1. الاعتداء الجسدي على العائدين: حيث تعرّض بعض المدنيين للضرب والإهانة والتهديد، بما في ذلك تهديدات طالت نساءً وأطفالاً.
2. حرق السيارات وتخريبها: أقدم مهاجمون على إحراق السيارات العائدة للأسر الكردية وتحطيم سيارات أخرى، في محاولة لإعاقة عودة الأهالي وإلحاق أضرار مادية بهم
3. محاصرة العائلات داخل مبنى الإدارة: اضطر العائدون إلى الاحتماء داخل مبنى الإدارة المحلية، وتم تطويقهم من قبل المخربين، ما أثار مخاوف جدية على سلامتهم وقدرتهم على مغادرة المكان بأمان.
4. مخاوف بشأن الاستجابة الأمنية: أفادت شهادات منشورة ومقاطع فيديو بوجود عناصر أمنية في المكان دون تدخلهم، بحسب روايات أصحابها.
مسؤولية المجموعات التي تعرقل عودة السكان
تثير الحادثة تساؤلات جدية بشأن وضع المنازل والأراضي التي اضطر أصحابها الكرد إلى تركها خلال سنوات النزاع، وبشأن الأشخاص الذين يشغلون تلك الممتلكات حالياً والأسس التي يستندون إليها في ذلك.
لا سيما أن بعض المقيمين في المنازل المستولى عليها اعترضوا على عودة أصحابها الأصليين، وسط اتهامات بأن الاستيلاء على بعض الممتلكات جرى بذريعة ارتباط مالكيها بقوات سوريا الديمقراطية.
إن وجود نزاع على عقار، حتى عندما يكون حقيقياً، لا يبرر استخدام العنف أو التهديد أو إحراق الممتلكات. وينبغي معالجة مطالبات الملكية عبر إجراءات قانونية واضحة ومحايدة، مع ضمان حماية أصحاب الحقوق من الترهيب والانتقام.
كما أن الانتماء القومي أو الاتهامات السياسية لا يجوز أن تكون أساساً للتمييز في حماية المدنيين أو في الوصول إلى العدالة
التوصيف الحقوقي الأولي
استناداً إلى المعلومات المتاحة، يمكن تناول الحادثة من منظور حقوقي ضمن المحاور التالية:
الحق في السلامة الجسدية والأمن الشخصي: الاعتداء على المدنيين وتهديدهم وتعريض النساء والأطفال للخطر.
الحق في الملكية: الاعتداء على الممتلكات الخاصة وإعاقة أصحابها عن استعادتها، إذا ثبتت ملكيتهم لها وفق الإجراءات القانونية.
الحق في العودة الآمنة والطوعية والكريمة: تقويض إمكانية عودة المهجّرين إلى مناطقهم الأصلية من خلال العنف والترهيب.
المساءلة عن أعمال العنف: ضرورة تحديد هوية المشاركين في الاعتداءات، والتحقيق في الأفعال المنسوبة إليهم، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون.
مسؤولية السلطات عن الحماية: ضمان أمن العائلات العائدة، ومنع الاعتداءات، وتأمين خروج المحاصرين بسلام، وحماية الممتلكات من الإتلاف أو الاستيلاء غير المشروع المطالب الحقوقية العاجلة
في ضوء خطورة ما أُبلغ عنه، تبرز المطالب التالية:
1. التدخل الفوري لضمان سلامة جميع العائلات العائدة، ولا سيما النساء والأطفال، وتأمين خروجهم من أي مكان يتعرضون فيه للحصار أو التهديد.
2. فتح تحقيق مستقل وشفاف في الاعتداءات، وتحديد المسؤولين عن الضرب والتهديد وإحراق السيارات وتخريب الممتلكات.
3. توثيق الأضرار المادية، وجمع الشهادات والصور ومقاطع الفيديو، وحفظ الأدلة بما يسمح باستخدامها في إجراءات المساءلة.
4. توفير ضمانات أمنية فعلية للعائلات الراغبة في العودة إلى منازلها وأراضيها، وعدم تركها عرضة لتهديدات المجموعات الرافضة لعودتها.
5. مراجعة أوضاع المنازل والأراضي التي تركها أصحابها خلال سنوات النزوح، والتحقق من وثائق الملكية، وإعادة الحقوق إلى أصحابها الشرعيين عبر إجراءات قانونية عادلة.
6. التحقيق في أي تقصير أمني محتمل، وتحديد ما إذا كانت التدابير المتخذة لحماية العائدين كافية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرار الاعتداءات.
7. دعوة المنظمات الحقوقية والإنسانية والجهات الدولية المعنية إلى متابعة الملف، ورصد الانتهاكات التي قد يتعرض لها المهجّرون أثناء محاولاتهم العودة.
الخلاصة
إن الاعتداء على الكرد العائدين إلى كرى سبي (تل أبيض) لا يقتصر على حرق سيارات أو إلحاق أضرار مادية بممتلكات خاصة، بل يثير مخاوف أوسع تتعلق بإمكانية عودة السكان المهجّرين إلى مناطقهم الأصلية واستعادة حقوقهم بأمان وكرامة.
فبعد سنوات من النزوح والابتعاد عن المنازل والأراضي، يُفترض أن تكون العودة بداية لإنهاء معاناة التهجير، لا مناسبة جديدة للتعرض للعنف والإهانة والتهديد. كما أن تقديم وثائق الملكية واللجوء إلى الجهات الإدارية ينبغي أن يفتحا الطريق أمام تسوية قانونية للحقوق، لا أن يعرّضا أصحابها للاعتداء.
إن حماية العائدين مسؤولية تقع على عاتق السلطات القائمة على المنطقة، وإن أي اعتداء على المدنيين أو ممتلكاتهم يستوجب التحقيق والمساءلة. ولا يمكن الحديث عن عودة آمنة وكريمة ما دام أصحاب المنازل يخشون الاعتداء عليهم لمجرد محاولتهم العودة إلى بيوتهم واستعادة حقوقهم.
وتتطلب هذه الحادثة متابعة حقوقية مستقلة لا تكتفي بتسجيل الأضرار الآنية، بل تبحث أيضاً في ظروف التهجير السابقة، ومصير الممتلكات التي تُركت، والضمانات اللازمة لمنع استمرار حرمان أصحابها منها.