عاشوا وتزوجوا وماتوا بلا أوراق.. حكايات الكرد في سوريا

كان الأب يجلس في الأرض التي زرعها لسنوات طويلة، وفقًا لاتفاقه مع ملاكها الذين لا يكفون عن التنازع معه عليها من حين لآخر. ذات يوم لم يكن انتهى من عمله حتى جاء أحدهم يسرع إليه ليبلغه أن مسؤولين عن الإحصاء يجوبون منازل محافظة الحسكة منزلا تلو الآخر، وهم الآن في القرية.

مشى معه باتجاه البيت ليتبين الأمر. لم تستمر مشيته عادية بعدما تذكر وهو في طريقه ما سمعه قبل شهرين عن مرسوم رقم 93 الذي يقضي بإجراء إحصاء عام لسكان الحسكة لم يحدد تاريخه بعد. والآن قد علم هذا التاريخ، لكن يفصله لحظات ليعلم غرضه.
وصل إلى بيته ليجد مختار الحي (رئيسه) سبقه إليه يرافقه اثنان من الموظفين، وجه بعض الأسئلة للأسرة تخص المكان القادمين منه، فأكدوا لهم أنهم سوريون، طالبهم بأوراق تثبت وجودهم منذ عام 1945 على الأقل. لكنه لم ينتظرهم حتى أملى على مرافقيه ما يكتبونه في دفاترهم، التي صنفت الأسرة المكونة من 5 أبناء ووالديهم، على أنهم “أجانب ومكتومي القيد”، وكلا التصنيفين سواء لحاميلهم، حيث يؤكدان أنهما بلا جنسية سورية.

تكرر الأمر مع كل بيوت المحافظة، لم يفهم أحد شيء في البداية، حتى علموا بأن ذلك “إحصاء استثنائي” أجرته الحكومة بحقهم كأكراد في هذه المحافظة التي يشكلون أغلبيتها. وإذ بصدمة تلو الأخرى، فوجدوا أن أسماء قراهم وبلداتهم تم تعريبها، ومنها القرية التي يسكنونها “سيكركا” والتي تعني بالكردية “الثلاث تلال”، لتجعلها القرارات “أبو عبيدة”.

كما حظرت هذه القرارات نفسها تداول لغتهم الكردية، وحرمت مئاتٍ من مزارعيهم من ملكية الأراضي لتصبح ملكاً للدولة.

كان كل ذلك في عهد رئيس الجمهورية، ناظم القدسي، ورئيس حكومته، بشير العظمة، إبَّان فترة انفصال سوريا عن مصر في سبتمبر 1961.

شكري هو الابن الأكبر في هذه الأسرة. كان عمره 7 سنوات حين صنفه الإحصاء “أجنبيًا” مثل والده ووالدته، وكان ذلك عامه الدراسي الأول.
لم يدرك ما حدث لهم هذا اليوم لكنه سمع من أبيه بعد ذلك أن أشخاصًا موظفين بالدولة السورية فعلوها، حتى يحرموهم من أراضيهم وحتى يصبحوا أقليات، ولا يحق لهم الانتخاب أو الترشح.

مرت السنوات عليهم وغيرهم من الأسر الكردية أكثر فقرًا وتقيدًا وحرمانًا من الخدمات والحقوق. فالأجنبي يحصل على بطاقة تسمى “البطاقة الحمراء” تضع اسمه بالسجل المدني، لكن لا تسمح له بالتوظيف أو السفر أو التملك أو الحصول على وثائق في تعليمه أو زواجه أو لأبنائه.

يتذكر شكري مرحلته الإعدادية، التي كان يسير خلالها مرتديًا ما يسميه بلكنته السورية “شحاطة بلاستيكية” (حذاء مفتوح) ليصل إلى مدرسته التي تبعد نحو كيلو متر عن البيت:

“حين يأتي وقت الاستراحة نخرج على الباحة، الأطفال المواطنون (حاملي الجنسية) يشترون حلويات، وأنا لا أشتري شيئًا!. ليس معي مال، ويقولون لي دائمًا يا أجنبي”.

درس الطفل الكردي حتى الصف الثامن (2 إعدادي) كحال أغلب الأكراد الذين لا يتجاوز تعليم أبنائهم هذه المرحلة.

ولم يكن أمامه بعدها سوى العمل الحر، وثمة خيار يلجأ إليه أغلبهم ممن يتمتعون بصحة جيدة تسمح لهم بذلك، وهو العمل “عتالا”.
لكن ليحصل شكري على هذا العمل كان عليه – حسبما يقول – أن يتعاون مع الأمن ويخبرهم بأحوال ساكني المنطقة الأكراد؛ تحركاتهم، وأخبارهم، وأي معلومة أخرى يريدونها. في النهاية قرر ألا يمارس هذا الدور، وصار بائع خضرة متجولًا بالأسواق الشعبية.

وعندما حان وقت زواجه؛ أراد شكري الزواج من “عطية”. ورغم أنها إحدى قريباته، أجابت طلبه بالرفض؛ لأنها مواطنة تحمل الجنسية السورية، ولا تفضل الزواج من أجنبي، وأن يعاني أبناؤها مثله.

لكن في النهاية أرغمها أهلها تماشيا مع السياق السائد في القرى.

تزوجا عام 1975 أمام الإمام وبشهادة الشهود والأهل دون عقد رسمي. حتى قدمت عطية شكوى إلى المحكمة تفيد بأنها مواطنة تزوجت من أجنبي، لتثبت بذلك زواجهما بالمحكمة فقط.

كتب شكري البيت باسمها كونه لا يحق له التملك. أنجب 6 بنات و3 شباب؛ ولدوا وعاشوا بلا أي أوراق رسمية.

درس أولاده الذكور حتى الصف السادس، فالمدارس الابتدائية اعتادت أن تغض الطرف عن أوراق الأطفال، لكن بناته لم ينلن حظهن من الدراسة لبعد المدارس عن نطاق بيتهن.

يقول شكري أن أصعب ما مر عليه خلال سنوات اعتبر في وطنه أجنبيًا؛ عندما أخذ أمه إلى دمشق لتجري لها عملية جراحية، ورفضت الفنادق أن يقيم فيها، وعلى أفضل حال كان رد بعضهم: سنسمح لك بالبقاء بعد أن تأتي بتصريح من الجهات الأمنية.

الموقف الآخر الذي لا يغفل عنه حتى بعدما مر عليه 3 سنوات؛ هو رفض مدير إحدى مستشفيات دمشق استخراج شهادة وفاة لأبيه: “قال لي المدير (أخرج من المستشفى ولا تجيب سيرتنا ما لنا علاقة بيكم!). حتى بالوساطة وبعد شكوى للشرطة وافقوا أن يعطوني جثة والدي، وأخذتها وأنا أبكي لندفنه بالحسكة”.

بعد الثورة، حصل شكري على الجنسية السورية عام 2013، بمقتضى المرسوم 49 الذي أصدره الرئيس السوري بشار الأسد في بداية 2011 بالتزامن مع الثورة السورية، ونص على منح المسجّلين في سجلات أجانب الحسكة الجنسية العربية السورية، لكن مع إعفائهم من الخدمة العسكرية.

لكنها بعد هذا العمر لم تعد تمثل فارقًا بالنسبة لشكري، لم تكن لحظة استثنائية خاصة وأنه لم يشعر بأنه مواطن حقًا، إذ تبدأ بطاقته وغيره من الذين حصلوا على الجنسية بكود يختلف عن المواطنين الآخرين. فيصفها شكري بـ”جنسية درجة ثانية”.

لا شيء فُقد يمكن أن يستعاد كما كان! لكن شكري يرى شيئًا إيجابيًا في وسط ذلك:
“بأيام شبابي ما صادفت يومًا سعيد أو شعرت أني إنسان. دائمًا نرى حالنا ليس بشرًا وعايشين في كوكب آخر. لكن الآن صرت أرى أن العالم يشعر أننا موجودون، لنا أصل ولغة، ويتحدثون عنا”.

صالح هو الأقل حظًا بين أفراد أسرته، فهو الوحيد الذي لم يدرج اسمه ضمن فئة الأجانب ولا المواطنين! وبذلك صار صالح ومن يشاركه حالته؛ “مكتوم القيد” أي ليس له وجود رسمي: عاش أو تزوج أو أنجب أو مات.

لم يستطع صالح أن يتحدث بالعربية؛ لأنه لم يتعلمها. فمن لا يدخل المدارس من الأكراد لا يمكنه التحدث أو فهم العربية ويظل محتفظا بلغته الأصلية الممنوع من التحدث بها.

أدرك صالح سريعًا أنه حتى لو تعلم فلا يمكنه العمل في الدوائر الحكومية أو التوظيف في أي مكان. لذلك عمل وهو صغير في رعي الغنم الذي تشتهر به قريتهم، ومنذ غادر باتجاه المدينة عام 1974 أصبح عتالا.

يسير صالح بما يسمى “شهادة تعريف” تصدر عن مختار الحي (رئيسه)، وتحمل إمضاء اثنين يسميان بالمعرفين؛ يتحملان مسؤولية معرفته وأن معلوماته المذكورة من اسم وتاريخ ومحل الميلاد ومحل إقامته وكل من اسم والده ووالدته صحيحة. وهكذا يمررها له المختار بختم وزارة الإدارة المحلية – محافظة الحسكة.

حدود هذه الشهادة هو نطاق سكنه فقط، لا يحق له من خلالها أن يمتلك شيئًا أو أن يحصل على شهادة تعليم، أو أن يثبت زواجه، أو أن يخرج أوراقًا ثبوتية لأبنائه، أو أن يقيم بالفنادق ويعمل بالوظائف الحكومية، أو أن يحب أيضًا:

“أحببت مواطنة كردية لكن كان معها الجنسية، فكعادة من يحبون مواطنين وهم بلا جنسية؛ رفض أهلها، وقالوا إنهم لا يريدون أن تعيش ابنتهم مع شخص مثلي، وأن تلد أبناءها بلا جنسية ومحرومين من كل شيء. فكانت تلك الحسرة الأولى بقلبي”.

تزوج صالح في النهاية من زهرة وهي “مكتومة القيد” مثله، دون أوراق. وكتب بيته باسمها لكن بعقد مع ملاكه يسمونه بـ “عقد براني” أي غير رسمي.

أنجب صالح 7 أبناء؛ أصغرهم 30 سنة وأكبرهم 40 سنة، تزوجوا جميعا من “مكتومي القيد”. ميزهم والدهم بأسماء لها معانٍ كردية: آمد (اسم مدينة ديار بكر في منطقة الأكراد بتركيا)، بريفان، (وتعني حلابة الغنم)، جلستان (تعني وردة الحديقة)، وشرفان، ويعني المحارب، وهو من قرر أن يهاجر الدنمارك منذ 3 سنوات.

“تحسر قلبي ثانية عندما درس جميع أبنائي حتى المرحلة الابتدائية فقط، وكبروا شبه أميين”.

يقول صالح، الذي يبلغ من العمر الآن 61 عامًا، ومازال متعلقًا بأمل أن يشعر العالم بمعاناة هؤلاء الذين اعتبرتهم بلدهم قادمين من حدود أخرى وليسوا من هذه الأرض.

المصدر

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا سواء أكنت شاهد على قصة انتهاك او كنت الضحية او ترغب في ابداء الرأي عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: vdcnsy@gmail.com
اقترح تصحيحاً - وثق بنفسك - قاعدة بيانات