بعد 28 عاماً على حريق سجن الحسكة أهالي 61 ضحية مازالوا بانتظار تحقيق العدالة

بتاريخ 23 من آذار عام 1993 نشب حريق كبير داخل “سجن الحسكة “، راح ضحيته 61 شخصاً من السجناء في ظروف لم تفصح الحكومة السورية عنها ، ورفضت فتح أيّة تحقيقات ، لا بل وسارعت لإلقاء المسؤولية على ( المعتقلين ) أنفسهم الذين نظموا احتجاجا في السجن، واتهمتهم بـ ” مدمني مخدرات “، وجاء في تقرير قائد شرطة الحسكة إلى وزارة الداخليّة تحت الرقم 1321|ص، أنّ مسبّبي الحريق هم مجموعة من مدمني المخدرات، وبتاريخ 24 أيار نفذت حكم الإعدام بحق 5 من المعتقلين.

بني سجن الحسكة في الستينيات من القرن الماضي وكانت السلطات السورية تزجّ فيه أكثر من 700 شخصاً في حين كان هو مخصص لحوالي مائتي سجينٍ فقط، ذلك في ظلّ الأوضاع الإنسانيّة سيئة للغاية التي كان السجناء يعيشونها في السجن نتيجة الفساد المنتشر بين عناصر الحراسة وإدارة السجن. حيث كان مسؤولي السجن يجمعون المعتقلين السياسيين مع المعتقلين بتهم جرائم السلب والنهب والمخدرات والقتل والسرقات كنوع من الضغط عليهم.

بدأت الأحداث في يوم 22 آذار 1994 ، حيث احتج سجناء على ظروف السجن المركزي. واقتحمت قوات الأمن السورية السجن في 23 آذار (مارس) 1993 ، ونشب حريق أدى إلى حرق 72 سجيناً حتى الموت ، وإعدام خمسة آخرين فيما بعد، ليرتفع عدد ضحايا ( مجزرة سجن الحسكة ) إلى 77 شخصاً.

كيف نشب الحريق ومن يقف ورائه:
يؤكد أكثر من سجين في سجن الحسكة أنّ الحريق الذي نشب في حوالي الساعة السادسة مساء، كان خطة مدبرة من قبل ( عملاء تابعين لأمن السجن ) تم وضعهم بين المعتقلين ، لافتعال الحريق.

تؤكد عدة شهادات لمعتقلين ، كانوا في السجن وقت ( الجريمة )، أن إدارة السجن وزعت مادة الكاز “المفقودة ” على السجناء بكميات كبيرة ، وتم اشعال الحريق من قبل مجهولين ، بالتزامن مع مساعي اقتحامه من قبل الفرق الأمنية ، وبعد اشتعال الحريق في أحد المهاجع التي شهدت “تمردا ” رفضت السلطات فتح الأبواب ، رغم تعالي أصوات السجناء وثم احتراقهم ضمن المهجع.

النيران خرجت عن السيطرة ، مع تواجد كميات كبيرة من مادة الكاز داخل المهجع، واحد من السجناء اسمه (قهرمان علي) تمكن من فتح باب المهجع الثالث لكن الوقت كان قد فات ، فالنيران كانت قد امتدت لكامل المهجع وأدى الحريق إلى مصرع حوالي 61 سجينا وإصابة 90 آخرين بجروح متفاوتة وحالات الاختناق نتيجة الدخان المتصاعد.

شهادة أولى : جمال أبو شفان من حيّ العزيزية الناجي من الحادثة والذي فقد والده وأخوه حياتهما في الحريق يروي تفاصيل الحادثة قائلاً “إنّ السبب الرئيسي لحرق السجن ومن في داخله هو وجود كمال حسو مشكيني وأولاده، المتّهمين بقتل شخصٍ مسيحي، عائلته ذات نفوذ ومرتبطة بأجهزة استخبارات النظام السوري، في المهجع الذي احترق، وكانوا موقوفين على ذمة التحقيق دون إصدار أيّ حكم قضائيٍ بحقهم”.

وأشار جمال إلى أنّ “إدارة السجن أمرت برشّ أرضيّة وبطانيات المهجع الذي احترق بمادة بودرة بيضاء ذات رائحة زكيّة بحجة مكافحة الحشرات، كما وقامت العوائل المسيحيّة في منطقة الجزيرة بالتنسيق مع إدارة السجن بتوزيع مادة الكاز على السجناء وأخبروهم بأنّ الكاز سينقطع لذلك خزن السجناء كميّةً كبيرةً من المادة التي تسبّبت في سرعة اشتعال المهجع”.

كما أضاف “بدأت النيران تكبر وتخرج عن السيطرة لتحرق المهجع الثاني الذي يبلغ طوله 30 متراً بأكمله وتصل للمهاجع المجاورة، فيما أُوصِدت أبواب المهاجع ولم تحاول السلطات فتحه أو إطفاء الحريق، وأدّى الحريق إلى مصرع أكثر من ستين سجيناً وإصابة العشرات بجروحٍ وحالات اختناقٍ نتيجة الدخان المتصاعد من الحريق”.

شهادة ثانية : شمس الدّين ملا إبراهيم, هو أحد السّجناء السياسيين في ذلك الوقت قال “بتاريخ 1992 وفي الشهر العاشر منه، تعرّضتُ للاعتقال من قبل الدولة السورية, وكان السّبب سياسياً، بتهمة تخريب صفّ العلاقات بين سوريا مع تركيا ”

وتابع ملا إبراهيم: “في تلك الفترة اعتقلت الحكومة السورية عدداً كبيراً من الشبان الكرد, ولأسباب مختلفة, ولكن السبب الأساسي كان مشاركتهم في مراسم إعلان شهداء كرد، حيث بلغ عدد الذين اعتُقلوا لهذا السبب 61 شخصاً، وأنا من ضمنهم”.

وبيّن ملا إبراهيم, في تاريخ الـ23 من شهر آذار 1993, كان الناس لايزالون يحتفلون بنوروز, وعيد الفصح، كان يوم حريق السّجن, الذي كان يتألّف من خمسة مهاجع، حيث قام الحراس بفتح أبواب المهاجع على بعضها بمناسبة العيد, وتابع قائلاً: “أنا كنت في المهجع الثاني، أمّا المهجعان الرابع والخامس، فكان نزلاؤهما من مدنيّين وتجار مخدرات، ومجرمين، وكان بينهم أيضا معتقلون سياسيون”.

أضاف “عندما قمنا بزيارة أصدقائنا في المهجع الخامس, كانت رائحة المهجع غير طبيعية, والأشخاص كانوا في حالة سُكْرٍ شديد , وقيل لنا أنّهم يتعاطون المخدرات, وكان من بينهم علي قاسم, شعرنا أنّ هناك حركة غير طبيعية في السّجن، ولم نعلم ما الذي كان يحصل, مهجعنا الذي كان مخصّصاً لثلاثين شخصاً, وضعوا فيه 122سجيناً”.

أضاف “إدارة السجن كانت قد قامت بقطع مادّة الكاز عن السّجناء مدّة تزيد عن 15 يوماً, لكن قامت فجأة بتوزيعه علينا, وأصبح في مهجعنا فقط أكثر من 300 لتر من مادّة الكاز, حيث قام كلّ سجين بوضع مادة الكاز تحت سريره, ثمّ قامت إدارة السجن، وبعدما كانت أبواب المهاجع مفتوحة بمناسبة العيد، بإقفال كلّ الأبواب”.

أضاف “بعد إقفال أبواب المهاجع, رأيت بعيني أحد السجناء والملقّب بـ “علي قاسم” خارج المهجع، والشرطة تقوم باعتقاله لأنّه كان في حالة سُكْر, وعلي قاسم يقوم بتهديدهم، بعد أن عرفوا أنّه سوف يقتل نفسه بالشّفرة الموجودة في فمه, وعلى إثرها قام أصدقاء علي قاسم الموجودون في المهاجع الأخرى بالاعتصام, وأشعلوا حريقاً أمام باب مهجعنا عن طريق سكب مادة الكاز على البطانيات، وقاموا بتهديد الشرطة بأنّهم سوف يقومون بحرق السّجن إن لم يبتعدوا عن علي قاسم، ويعيدوه إلى مهجعه, ولذلك لبّت الشرطة نداءهم”.

أضاف “بعد ذلك بوقت قصير سمعنا صوت علي قاسم مرّة أخرى وهو خارج مهجعه, فقامت الشرطة مرّة ثانية باعتقاله وضربه, وأصبح ينادي أصدقاءه أن يفعلوا شيئاً له, فعاد أصدقاؤه الموجودون في مهجعنا إلى الاعتصام وكان من ضمنهم كاميران الملقّب بكامو, وليد، ومحمد أمين الملقب بوحشو, ولكن هذه المرّة لم تتركه الشّرطة, لذلك قام كامو بحمل عدد من البطانيات، وسكب فوقها الكاز ووضعها أمام باب المهجع من الداخل وأحرقها, وقام أيضاً بربط الملقب بوحشو على باب المهجع وسكب عليه الكاز وأحرقه, وامتدّ الحريق داخل السّجن من البطانيات إلى الكاز الموجود داخل المهجع”.

وتابع ملا إبراهيم “وبسبب الدخان الناجم عن الحريق في المهجع اختنق الكثير من السّجناء, على الرغم من مناداتي لهم بإنزال رؤوسهم إلى الأسفل، لأنّ الدخان يصعد إلى الأعلى, أما أنا فقد قمت بوضع الماء على قطعة قماش ووضعتها على وجهي, بعدها قام الملقّب بوليد بقطع أكبال الكهرباء، وصار يهدّد بكهربة المهجع بالكامل, لذلك طلبنا من الأمن قطع الكهرباء عن المهجع, عنصر الشرطة المسؤول عن مفاتيح المهاجع هرب, وأحد الأصدقاء قام بمناداته للعودة وفتح الباب، لكنّه قام برمي المفتاح وهرب, وقام صديقنا بفتح الباب, وسمعت صديقاً آخر لي والملقّب بعبد الباري والذي استشهد في الحريق، ينادي ويقول لي بأنّهم قاموا بفتح الباب, لذلك خرجت زحفاً من المهجع, وقاموا بعدها بحملي وإسعافي إلى المشفى, ثم علمت أنّ عدد الضّحايا بلغ 61 شخصاً، من ضمنهم 25 من الكرد”.

وأردف شمس الدين ملا إبراهيم, بعد وصولي إلى المشفى وتلقّي العلاج, حوالي الساعة الرابعة صباحاً، جاء ملازم أول وقام باصطحابي معه من أجل التحقيق بعد عدةّ محاولات من قبل الأطبّاء بعدم خروجي بسبب جروحي، إلّا أنّهم أخرجوني حافي القدمين”.

وتابع قائلاً: “عند وصولنا إلى قسم التحقيق كنّا حوالي 12 شخصاً, وبقينا هناك 13 يوماً, وكان قد قدِم من أجل التحقيق في قضية الحريق لواءٌ من القصر الجمهوري بدمشق, ونادوني للتحقيق في الساعة الحادية عشرة ليلاً، واستمرّ التحقيق إلى الساعة السابعة صباحاً, قلت فيه كلّ الحقيقة لضابط التحقيق، بأنّ السبب الأساسي هو قائد الشرطة الموجود في السجن، مع إدارة السجن، وذلك بسبب التسيّب والرشاوى, والأهم المخدّرات كيف دخلت إلى السجن؟, لا أحد يستطيع إدخال المخدّرات إلا بمساعدة قائد الشرطة”.

شهادة ثالثة : مهدية حاجي محمد زوجة محمد حاجي عارف، وهو واحد من ضحايا حريق سجن الحسكة قالت :“زوجي لم يكن يعمل في أنشطة سياسية وكان عمله العتالة فقط لا غير, وعلى إثر كتابة تقرير بحقه من قبل أحد جيراننا, تم مداهمة منزلنا في صباح يوم 21 كانون الثاني عام 1993م, واعتقلوا زوجي, ولم نكن نعلم ما هو مضمون ذاك التقرير”.

وأردفت بأنّ لقائها الأخير مع محمد كان يوم 23 آذار, ودامت الزيارة حوالي الساعتين, وقد أخبرها حينها عن استعدادات النظام لحرق السجن.

وبعدها سمعت مهدية خبر الحريق، ومن ثم جاء إليها عدد من الجنود وأخبروها إنّ جثمان محمد سيصل من سري كانيه. وأكدت بالقول: “جاءني خبر بأنّ عدد من جنود النظام وأهالي تل تمر وروا الجثمان في مقبرة أب النجا دون فتح التابوت ومعرفة جثة من بداخله, وحتى الآن لا أعلم إن كان من في التابوت هو زوجي محمد أم غيره, أو إن كان فيه عظام أو كانت فارغة”.

المعتقلون الذين نفذت الحكومة السورية حكم الإعدام بحقهم ، وتم تحميلهم مسؤولية الحريق هم :
1) علي محمود قاسم مواليد الحسكة 1966
2) فريد محمود الجبري مواليد الحسكة 1972
3) قهرمان جمهور محمد مواليد قامشلو 1961
4) محمد أمين محمد مواليد ديريك 1968
5) محمد فرحان سكفان مواليد قامشلو 1965
كما تم الحكم على خمسة آخرين بالسجن وأحدهم هو كاميران محمود الشريف الذي لم يكن متجاوزاً سن السابعة عشرة وقد حكم عليه بالسجن 12 عاماً وشددت عقوبته إلى السجن المؤبد بالأشغال الشاقة ، كما حكم على خمسة أفراد من الشرطة بتجريدهم من الحقوق المدنية و الأشغال المؤقتة مدة ثلاث سنوات.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا سواء أكنت شاهد على قصة انتهاك او كنت الضحية او ترغب في ابداء الرأي عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: vdcnsy@gmail.com
اقترح تصحيحاً - وثق بنفسك - قاعدة بيانات