ارتفاع نسبة تزويج القاصرات في عفرين.. شهادات من الداخل

تقرير : نورهات حسن

في هذا التحقيق استطعنا الكشف عن نسبة تزويج القاصرات في منطقة عفرين التي تسيطر عليها تركيا منذ أكثر من عامين والأسباب التي تؤدي إلى انتشار هذه الظاهرة بعد التواصل مع فتيات أصبحن ضحية الزواج القاصر.

تقول (أ) 16 عاماً “إلى الآن أنا غير مقتنعة ولا أستوعب أنني متزوجة، كنت أتعلم اللغة الكردية وأحب البزق وأتدرب عليه لكن كل ذلك بات حلماً” هذه الكلمات تلخص ما يجري داخل عفرين وتوضح معاناة مئات الفتيات اللواتي أصبحن ضحية للظروف وأجبرن على الزواج.

ازدادت نسبة تزويج القاصرات في منطقة عفرين إبان سيطرة تركيا والفصائل الموالية لها على المدينة في عام 2018، فما هي الأسباب التي أدت إلى ذلك وما هي الحلول وما هي الأضرار النفسية والجسدية لذلك وكيف كان الوضع قبل سيطرة تركيا على هذه المنطقة التي تقع شمال غرب سوريا؟.

في هذا التحقيق سنجيب على هذه الأسئلة بعد التواصل مع مسؤولين ومصادر داخل عفرين.

فتيات أجبرن على الزواج في عفرين:

تمكننا من التواصل مع خمسة فتيات قاصرات تزوجن دون إرادتهن ويعانون الآن من اضطرابات نفسية.

حيث قالت (ن) إنّ أهلها ذهبوا إلى بيت خالها وطلبوا منهم أن يأتوا لخطبتها لابن خالها البالغ بالعمر 28 عاماً، وذلك خوفاً من عناصر الفصائل الموالية لتركيا.

رغم إنّها طلبت من أمها كثيراً أن لا يتم تزويجها بل أن تكمل دراستها، إلا أنّهم رفضوا ذلك خوفاً من عناصر الفصائل الموالية لتركيا، وأضافت: “كنت سأشرب السم وطلبت من أختي أن تساعدني إلا أنّها قالت لها “إذا أنجبتي طفلاً ستتعودين”!.

وتابعت (ن) إنّها تشعر بأنّ زوجها مثل والدها وإنّه أكبر منها بكثير، وتقول أيضاً: “تركيا دمرتنا فرداً فرداً لم تدمر عفرين جغرافيا فقط، أنا في هذا العمر الصغير تعبت كثيراً أشعر وأنّني في الخمسين من عمري”.

ومن جانبها تقول (ل) بأنّ عمرها 15 عاماً ويتيمة من 8 سنوات وتضيف: “بعدما دخلت تركيا إلى عفرين أخرجونا من منزلنا في قريتنا وحولوه لمقر لهم واضطررنا على المجيء إلى المدينة والآن نحن في منزل شخص كريم في قلبه رحمة”.

وأشارت (ل) إنّ : “أناساً من قرية في عفرين تقدموا لي للزواج، طبعاً الوضع يجبر الأهل على تزويج بناتهن في أول فرصة، لدى وصولي إلى عفرين تمت خطبتي لكن دون رضائي لم يكن الأمر بإرادتي لأنّني لازلت طفلة، لكنني اضطررت لأن أوافق نظراً لإلحاح أمي”.

 

وتابعت (ل): “أمي تخاف علي من عناصر الفصائل فهم إن رأوا فتاةً غير متزوجة يلحقونها، مثلاً يأتي عنصر من الفصائل ويهدد ويقول “سأطلبها للزواج وإن لم توافقوا فالأمر لن يمر على خير”، هذا ما يجري بالضبط”.

ونوهت (ل) إنّها في ظرف 20 يوم تمت خطبتها وتزوجت، لكن الصدمة الكبرى كانت بعد الزواج. تقول (ل): “بعد الزواج بثلاثة أيام تأكدت بأنّني انخدعت، فالشخص الذي تزوجته كان عقيماً، أي غير قادر على الإنجاب، بقيت شهر ونصف، لكن أمي لم تتحمل الأمر وتركت زوجي وعدت إلى أمي، أصبحت مطلقة وأنا في عمر الـ 15”.

كما تقول (ل): “بعدما تركته، بدأوا يهددونا بعناصر الفصائل التابعة لتركيا، قالوا أما أن تعودي أو سنجعلهم يعتقلونكِ، لكني لم أعر أي أهمية لكلامهم. شكيتهم لله، حياتي تدمرت معنوياً ومادياً”.

وتسرد (أ) قصتها وتقول: “عندما دخلت تركيا والفصائل لم يتركونا بحالنا أنا وأختي التي كانت حينها 16 عاماً، أتى قائد فصيل ومعه عنصر آخر وطلبوا يدي للخطبة, أبي لم يتحدث أبداً”.

وتضيف (أ): “عندما رأيت أبي لم يتحدث أنا أيضاً لم أتحدث، وبعدما ذهبوا سألت أبي لماذا صمت، فبكى قال لي “يا ابنتي هددوني وقالوا سنأتي لنخطب ابنتك وإذا كنت غير موافق قل الآن لكي نعرف عملنا”، هنا انهالت عليه بالبكاء”.

وأشارت (أ) إنّها اتصلت بابن عمها وطلبت منه أن يتزوجها فقبل ابن عمها وتابعت في الحديث: “ابن عمي لبى الطلب بسرعة وهربت أنا وهو من عفرين خلال أسبوع، حيث انتحلنا في لباس وقلنا إننا ذاهبون لجمع الخبيزة. وصلنا إلى حلب، لكن ابن عمي مثل أخي وهو أيضاً يشعر بذلك، أي إنّنا لا نستطيع أن نكون زوجين”.

في حين تقول (ز) 18 عام ومتزوجة من عامين من احدى قرى عفرين: “بعدما دخلت الفصائل على القرية، كان العناصر في كل يوم يخلقون مشاكل مع أهلي وأقربائي وفي كل يوم يتهمون أبي بالعمل مع وحدات حماية الشعب، وبعد كل تهمة يأتي عنصر من الفصائل ليخطبني ويقولون لأبي “سننقذك” وأبي كان يقول أنا لن أزوج ابنتي الآن وهم كانوا يغضبون منه”.

وأضافت: “هناك أنا كنت أراقب الوضع كان قلبي يحترق على أبي وأمي. أتى شاب كردي لخطبتي وعناصر الفصائل سمعوا بالأمر وخلقوا مشكلة في القرية وخطفوا الشاب. هنا القرية أصبحت جحيم”.

وأشارت (ز) إنّها أرادت أن تريح القرية وتابعت: “أخبرت أبي بأن يوافق ووافق أبي وهو يبكي، وبعدما تزوجته، من أول يوم بات يضربني ويشتمني، مثلا يقول لي “أنت كردية ومفضوحة”، لبسوني الخمار الأسود”.

ومن جانبها تقول (ص) 14 عام من احدى قرى عفرين ولديها طفل الآن: “النازحون من حمص إلى عفرين كانوا يأتون إلى منزلنا ويقولون “إذا كبرت ابنتك سنزوجها لابننا”، كما إنّ عناصر الفصائل كانوا يأتون ويقولون أنت وبناتك تحت حمايتنا، تكرر هذا الموقف كثيراً”.

وتضيف (ص): “والدي كره نفسه من هذا الأمر، وأخبر أحد أصحابه ليأتي ويخطبني ويزوجني لابنه، قال له بالحرف الواحد “تعال وانقذني من هؤلاء”، عناصر الفصائل سمعوا بالأمر وقالوا لأبي، إما أن تدفع المال أو لن نسمح لك بأن تعطيه ابنتك”، والدي رجح دفع المال وأخرجني من القرية إلى مكان ما”.

وأشارت (ص) إنّها تزوجت من دون حتى أن تلبس الفستان الأبيض وأردفت: “وأنا كنت ألعب مع بنت خالي الصغيرة، تزوجت وأنجبت طفل، لكن الآن حماتي تربي الطفل وتربيني معه تعطي الطعام لي وله، لا أستطيع إطعام طفلي لأنّه حتى صدري غير مكتمل”.

وقالت في ختام حديثها: “أنا وزوجي لا نتجرأ على الذهاب القرية لأنّهم هددونا بالاختطاف”.

 

10% نسبة تزويج القاصرات ضمن فترة سيطرة الإدارة الذاتية

حميدة محمد مسؤولة العدالة الاجتماعية للمرأة التابعة للإدارة الذاتية قالت: “في عفرين ليس هناك فكر عشائري وعادة تزويج القاصرات انحسرت بشكل كبير في فترة حكم الإدارة الذاتية بعد محاضرات التوعية من مخاطر هذا الأمر”.

وأضافت حميدة محمد: “نسبة تزويج القاصرات في عفرين حتى عام 2013 بلغت 50% وتضيف “إلا أنّه بعد إعلان الإدارة الذاتية في عام 2014 وسن قوانين من قبلها تمنع تزويج القاصرات انخفضت نسبة تزويج القاصرات إلى 10% حتى عام 2018، حيث سجلنا 123 حالة من عام 2014 لعام 2018”.

 

40% نسبة تزويج القاصرات بعد السيطرة التركية:

وقالت نضال جوجك عضو الحركة السياسية النسوية السورية إنّها حصلت على أرقام دقيقة من منظمات تهتم بشأن المرأة داخل عفرين وقالت بهذا الصدد: “تعتبر منطقة عفرين الريف الشمالي الغربي لسوريا, ذات المكون الكردي المتأصل في تلك المنطقة مع أقلية عربية ونسبة تكاد لا تذكر من التركمان.

في السنوات العشر الأخيرة كان الزواج كعرف مجتمعي مثله مثل باقي المناطق السورية ولكنه نسبيا متقدم على بعض المناطق في سن الزواج, فلم تكن حالات الزواج المبكر رائجة خلال تلك الفترة المذكورة إلا ما ندر وذلك في المناطق الحدودية النائية”.

وأضافت جوجك: “اليوم بعد عملية غصن الزيتون جراء التدخل العسكري التركي و الفصائل المدعومة من قبله ومع قدوم موجة النازحين ارتفعت نسبة الظاهرة هذه، حيث بلغت بحسب إحصائية المجلس المحلي في عفرين بعام 2019- 40% أي ما يقارب 4500 فتاة أغلبهم من النازحين”.

وأشارت نضال جوجك إنّه هناك جهات تطوعية تقوم بتوجيه النساء وتمكين الفتيات مثل منظمات القائمة على العنف الاجتماعي والتي تقوم بعقد جلسات توعية بهذا الخصوص وليس أكثر من ذلك: “حيث لا يوجد تدخلات قانونية تمنع ذلك, وفي كل عفرين لا يوجد سوى مركز واحد معني بهذا الخصوص وهو (مركز العدالة السوري و حقوق الإنسان)”.

 

وتحدثت جوجك عن أسباب انتشار هذه الظاهرة وقالت: “سبب تزايد هذه الظاهرة هو أولا الحالة الاقتصادية المتردية وثانياً الوضع الأمني غير المستقر سواء داخل مدينة عفرين أو خارجها حيث تصل الفتاة للمرحلة الثانوية ولا يمكنها التنقل لتقديم امتحان الشهادة الثانوية أو الحصول على عمل حتى لا تضطر الاعتماد على شريك مما يضطر الأهالي لتزويج بناتهم مبكراً”.

أرقام من مصففات شعر:

استطعنا التواصل مع مصففة شعر داخل عفرين وحصلت على أرقام منها أيضا.

وقالت هيفي (اسم مستعار) ولها محل تصفيف شعر في عفرين: “خلال فترة سيطرة الإدارة الذاتية أي من عام 2014 – 2018 استقبلت 51 فتاة قاصرة 43 منهن عربيات و8 منهن كرديات”.

ولدى سؤالنا لها عن الأعداد التي استقبلتها بعد السيطرة التركية على عفرين قالت هيفي: “بعدما راجعت دفتري في المحل تأكد لي أنني استقبلت من تاريخ ١/٤/٢٠١٨ لتاريخ ١/٦/٢٠٢٠، 262 فتاة قاصرة تقريباً من نازحي الغوطة وكرديات”.

 

الأضرار النفسية

من جانبها شرحت المرشدة النفسية شيرين حسين الضرر النفسي الذي يولده زواج القاصرات وقالت: “اجتماعياَ من أضرار الزواج المبكر انفصال الفتاة القاصر عن زميلاتها وصديقاتها في المدرسة، كما أنّها تتأخر معرفياً عنهم تتعرض هؤلاء الفتيات للاستغلال والعنف المنزلي. الفتيات اللواتي يتزوجن مبكراً لا يشعرن بالحياة الزوجية المستقرة ويكثر الشعور بالتوتر والقلق بينها وبين الزوج، بل إنّ بعض القاصرات يصبن بـ الاكتئاب بسبب الزواج المبكر”.

وتشير شيرين حسين إنّ الفتاة تصاب بأمراض نفسية: “حيث تجبر الفتاة على ممارسة العلاقة الحميمة بعد الزواج ونتيجة لعدم تقبلها واستيعابها لهذه العلاقة قد يصيبها اضطرابات نفسية مثل اضطراب ثنائي القطب واضطراب الاكتئاب والوسواس القهري وفصام الشخصية بالإضافة إلى الانعزال والانطواء على الذات”.

الأضرار الجسدية

وتعليقاً على الأضرار الجسدية التي يحدثها الزواج القاصرات تحدث الدكتور منال محمد الأخصائي في التوليد وأمراض النساء وجراحتها، إنّ هناك أضرار جسدية جسيمة.

وأشار محمد: “أولاً الجسم غير متكامل لذلك إذا تم الزواج في عمر قاصر فيحدث إجهاض وهناك تأثير نفسي كبير للإجهاض على النساء كما يؤدي إلى النزيف وقد يؤدي إلى الموت”. وأضافت منال محمد: “هناك أمراض أخرى تحدث مثل تسمم الحمل والضغط أيضاً، وهذا ما يشكل مرضاً خطيراً على المرأة”.

وفي نهاية حديثه قال الطبيب منال محمد: “العمر الأنسب للزواج هو 18 – 25 فحينها يكون المبيض ناضجاً والأطفال غير مشوهين، والولادة تحدث بشكل طبيعي وليس نتيجة عملية قيصرية. لذلك نقول للعائلات بأن لا يزوجوا بناتهم في عمر قاصر لأنّهن غير قادرات على تكوين عائلة وهذا ما يؤدي إلى الطلاق في كثير الأحيان”.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا سواء أكنت شاهد على قصة انتهاك او كنت الضحية او ترغب في ابداء الرأي عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: vdcnsy@gmail.com
اقترح تصحيحاً - وثق بنفسك - قاعدة بيانات