مَن الفائزون والخاسرون من وقف إطلاق النار في إدلب؟

وصَّل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب أردوغان، خلال لقاء في موسكو، إلى اتفاق على وقف إطلاق النار في إدلب، الذي دخل حيز التنفيذ ابتداءً من منتصف ليل الخميس 5 مارس/آذار، ويشمل الاتفاق 3 نقاط أساسية هي:

  • وقف جميع الأعمال العسكرية على طول خط المواجهة في منطقة خفض التصعيد في إدلب ابتداءً من الساعة 00:01 (بالتوقيت المحلي) يوم الجمعة 6 مارس/آذار 2020.
  • إقامة ممر أمني على بُعد ستة كيلومترات شمال وستة كيلومترات جنوب الطريق الدولي السريع الرئيسي في إدلب “إم 4″، على أن تتفق وزارتا الداخلية التركية والروسية على المعايير المحددة لتشغيل الممر الأمني خلال 7 أيام.
  • نشر دوريات روسية – تركية مشتركة على طول طريق “إم 4” من قرية طرمبة على بعد 2 كيلومتر إلى الغرب من سراقب إلى عين الهبر، اعتباراً من 15 مارس/آذار 2020.



دعونا إذاً نلقي نظرة سريعة إلى الفائزين والخاسرين المحتملين في هذا الاتفاق، كما نشر موقع Middle East Eye البريطاني:

الفائزون
1- الحكومة السورية

انتقلت الأراضي السورية من أيدي المعارضة الموالية لتركيا إلى قوات الرئيس السوري بشار الأسد خلال الأيام الأخيرة مع احتدام القتال في إدلب. لكن لم يكن فوز الجيش السورري مؤكداً بأيّة حال، وبالأخص في وجه جهود المعارضة المدعومة من تركيا التي قاتلت وكأنّها قوات برية نشطة بدعم من الطائرات بدون طيار والمدفعيات التركية.

ونجحت في تدمير الكثير من الدبابات، وإسقاط 3 طائرات حربية خلال الساعات الـ72 الأخيرة، وتشير بعض التقديرات أيضاً إلى أنَّ الخسائر البشرية من قوات الجيش السوري بلغت 2000 جندي.

وكان سيصعُب للغاية على الجيش السوري الحفاظ على هذه الوتيرة في القتال، وتحديداً لأنّه لم يعد لديها القوة البشرية اللازمة لشن هجمات متزامنة في أكثر من مكان، مثلما اتضح عندما ألغت هجومها منذ 3 أسابيع مضت خارج دارة عزة. ونقلت قواتها الهجومية إلى جنوب إدلب بدلاً من مجرد فتح جبهة قتال أخرى كانت ستنتهي بتعزيز موارد المعارضة.

أضف أن الاتفاق يضمن للجيش السوري المناطق الجديدة التي تقدم إليها، كونه يحافظ على الوضع العسكري الحالي على الأرض وما حققه من تقدم كل طرف بالتالي تم تثبيت نقاط التماس الحالية إلى الصفر، وهي خسارة كبيرة لتركيا والمسلحين الموالين لها من حيث خسارتهم الطريق الدلي، مدن كبيرة استراتيجية ك سراقب والنيرب، ومعرة النعمان وخان شيخون…..

2- روسيا

من شأن وقف الأعمال القتالية أن يعطي الجيش السوري ما تحتاجه بالضبط، وهي فرصة لجمع شتات أنفسهم. بالإضافة إلى ذلك، كانت روسيا وتركيا توشكان على الدخول في صراع، وكلتاهما كانت تدرك ذلك.

وبالتواجد في ساحات المعارك، يتضح أنّه في الوقت الذي يصوب فيه الجنود الأتراك أسلحة الدفاع الجوي المحمول نحو الطائرات، هم لا يعرفون ما إذا كانت أي طائرة منها يسيرها طيار روسي أم سوري.

وإذا أسقطوا طائرة روسية، فسيستتبع ذلك ردّ من موسكو. وكان هذا السيناريو سيحدث حتماً عاجلاً أم آجلاً. ومن ثم، يعطي هذا الاتفاق الفرصة لروسيا لتعديل وضعها والحفاظ على علاقات قابلة للتنفيذ مع أنقرة في هذه العملية.

بالنظر إلى ما سبق، فإنَّ روسيا مهتمة جداً بالحفاظ على خط الأنابيب الذي تبلغ تكلفته مليارات الدولارات، الذي اكتمل تشييده للتو والذي سينقل الغاز الروسي على طول البحر الأسود وصولاً إلى جنوب تركيا حيث سيقوم الأتراك بتوزيع الغاز على 15 مليون منزل في تركيا وأوروبا الشرقية.

3- تركيا لدرجة ما…حفظ وجه ماء أردوغان

أتاح وقف إطلاق النار لتركيا الفرصة لحماية جنودها الذين تعرضون لأحدى أكبر المجازر في تاريخ تأسيس الجمهورية التركية. فقد قُتِل بالفعل ما لا يقل عن 35 جندياً تركياً في إدلب دفعة واحدة وارتفع العدد الاجمالي منذ بداية شباط في إدلب إلى 55 جنديا فيما المصادر تؤكد أنّ العدد أكبر من ذلك بكثير. بالإضافة إلى ذلك، تستطيع تركيا الحفاظ على علاقاتها مع موسكو، وإلى جانب تأمين مصالحها في صفقة خط أنابيب الغاز، يمكنها التأكد من أنَّ صفقة شراء منظومة الدفاع الجوي الصاروخية “إس-400” التي وقّعتها مع موسكو ستصبح حقيقة.

إذ لا يزال الأتراك بحاجة إلى الخبرة والتدريب وقطع الغيار من الروس لتشغيل المنظومة. وربما لم تكن روسيا لتقبل بتقديم هذه المساعدة ما لم تكن القوات العسكرية للبلدين تفتحان النيران على بعضهما في سوريا.

الخاسرون
1- قوات المعارضة السورية التي تدعمها تركيا

تعرف المعارضة السورية الموالية لتركيا تمام المعرفة أنَّ نظام الأسد لم يحترم أي اتفاق لوقف إطلاق النار منذ بداية الصراع. وبدلاً من ذلك، تستغل قوات الحكومة فرصة الهدنة لتعزيز مواقعها على النحو الذي لا تستطيعه إذا كانت تحت النيران.

وهذا يعني أنَّ الصعوبات التي يواجهها المعارضون في دفع الجيش السورري للتراجع الى الوراء بات أمرا أشبه بالمستحيل، سيكون أكثر صعوبة بمجرد أن تُتاح لها الفرصة لجلب معدات جديدة وتحديث تحصيناتها.

وتشعر قوى المعارضة التي تحدث معها موقع Middle East Eye منذ التوقيع على الاتفاقية قبل ساعات قليلة بـ “الغدر”؛ فهي تجد نفسها متورطة في صفقة أخرى “لخفض التصعيد” بينما لم ينجح أي من اتفاقات التهدئة السابقة في الصمود.

وتشارك المعارضة في نفس الشعور، الجبهة الوطنية للتحرير المدعومة من تركيا والمقاتلين المتحالفين مع هيئة تحرير الشام والجماعات المسلحة الأخرى التي عملت جميعها مع تركيا والجبهة الوطنية للتحرير للدفاع عن أراضيها، بل وتحولت لآداة لتحقيق المطامع والأهداف التركية في سوريا عبر مساعدة الجيش التركي لغزو مناطق الأكراد في عفرين أولا وثم الهجوم على قوات سوريا الديمقراطية شرق الفرات غزو منطقتي تل أبيض و رأس العين وسط اتهامات أممية بارتكابها جرائم حرب.

ومرة أخرى كانت تركيا وروسيا الضامنين لاتفاق “خفض التصعيد”، مثلما حدث في الاتفاقات السابقة الفاشلة. ولا يوجد أي قائد أو مقاتل واحد من المعارضة السورية تحدث معه موقع Middle East Eye يشعر أنَّ هذا الاتفاق الحديث سيكون مختلفاً بأي شكل من الأشكال.

2- اللاجئون السوريون (النازحون)

نظرياً، قد تبدو إتاحة الفرصة لمليون لاجئ، الذين فروا من القتال خلال الأسابيع العشرة الماضية، للعودة إلى ديارهم، لكن واقعياً الأمر مختلف تماماً.

بالنظر إلى حقيقة أنَّ دمشق لم تلتزم بأي اتفاق لوقف التصعيد في الماضي، كما ولم تلتزم كذلك القوات الموالية لتركيا لدرجة ما يضاف إلى ذلك تاريخ تركيا بالامتناع عن بذل الجهد الكافي لمنع الطائرات الحربية الروسية من قصف المنازل والمدارس والمستشفيات السورية، سيشعر العديد من اللاجئين أنّه من الأفضل العيش في خيام أو التكدس في منازل أقاربهم على الحدود التركية، بدلاً من العودة إلى منطقة قد يتبين أنَّ وقف التصعيد بها ما هو إلا خدعة أخرى خاصة وأنّ غالبهم متورط في حمل السلاح، وحتى الذين لم يفعلوا فهم خائفون من الانتقام، الاعتقال أو حتى أن يتم إعادة تجنيدهم ضمن الجيش السورري وقتال المعارضة هذه المرة.

وفي النهاية، من المستبعد أن ينجح الاتفاق في الاستمرار. إلى جانب ذلك، لم تحسم الأطراف النقطة الثانية الخاصة بالممر الأمني. فلايزال يتعين عليها مناقشة المسألة والوصول لاتفاق نهائي عليها.

أما النقطة الثالثة فهي مشروطة بتسوية النقطة الثانية. فإذا لم يكن هناك اتفاق بشأن معايير “الممر الأمني”، فلن يكون للنقطة الثالثة الخاصة بمن يُسيِّر دوريات وأين يُسيِّرها و أهميتها.

هذا يدل على أنَّ الاجتماع لم ينتهِ إلى تسوية الكثير من النقاط مثلما بدا، باستثناء رغبة روسيا وتركيا في كبح اندلاع صراع محتمل بين قواتهما.

الرئيس التركي في طرق العودة أكد أنّ وقف إطلاق النار بإدلب سيترسخ إن تم التزام الاتفاقيات التي أُبرمت في هذا الخصوص.

كما شدد على أهمية ألا تؤثر التطورات بسوريا وإدلب في العلاقات بين تركيا وروسيا، قائلاً: “انطلاقاً من هذا المبدأ أقدمنا على خطوة مهمة جداً”. وأوضح أنّ وقف إطلاق النار سيحافظ على أمن الحدود التركية، واستقرار إدلب وأمن المدنيين وعودة الحياة فيها إلى طبيعتها، وسلامة الجنود الأتراك هناك.

أردوغان بيَّن أنّ الجانبين على أعلى المستويات، ابتداء من رئيسَي البلدين (أردوغان وبوتين)، مروراً بوزراء الخارجية والدفاع وجهازي الاستخبارات، سيراقبون من كثبٍ التطورات على الأرض؛ لمنع الإخلال بأسس وقف إطلاق النار.

وأردف: “هدفنا تفعيل المسار السياسي في سوريا بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 2254، وإنهاء الحرب الداخلية”، مستدركاً: “سنظل على أهبة الاستعداد دائماً للرد على الانتهاكات والهجمات المحتملة من طرف النظام. ويتجلى عزمنا في هذا الموضوع من خلال الخسائر التي كبَّدناها للنظام في الأسبوع الأخير”.

وفي رده على سؤال يتعلق بمصير نقاط المراقبة في إدلب، قال أردوغان: “نقاط المراقبة بإدلب سنحافظ على وضعها الراهن، فلا يوجد أي تغيير بهذا الخصوص حالياً”.

وعند سؤاله عن مدى تأثر صفقة شراء تركيا لمنظومة الدفاع الجوي الروسية “إس-400″، لا سيما “عدم التزام الروس الوعود التي قطعوها سابقاً في عديد من الملفات الحساسة”، قال أردوغان: “إن إس-400 أصبحت لنا، وغدت بين أيدينا، سيتم تفعيلها اعتباراً من أبريل/نيسان. وسأقول للأمريكيين مجدداً كما قلت بالأمس: إنّ أعطيتمونا الباتريوت فسنشتريها”.



الوثيقة: “البرتوكول الإضافي للمذكرة حول إرساء الاستقرار في منطقة إدلب لخفض التصعيد والمؤرخة بيوم 17 سبتمبر 2018” التي تلاها وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، ونظيره التركي، مولود تشاووش أغلو:

“تؤكد روسيا وتركيا التزامهما باستقلال الجمهورية العربية السورية ووحدتها ووحدة أراضيها، مشيرتين إلى حزمهما على مكافحة جميع أشكال الإرهاب والقضاء على كل التنظيمات الإرهابية التي اعترف بتصنيفها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ومتفقتين مع ذلك على أن تهديد المدنيين والبنية التحتية المدنيّة لا يمكن تبريره بأي ذرائع”.

وشددت روسيا وتركيا في الوثيقة على أنّه “لا حل عسكريا للنزاع السوري، الذي يمكن تسويته فقط نتيجة لعملية سياسية يقودها وينفذها السوريون بأنفسهم بدعم الأمم المتحدة وفق القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي”.

وأكد الجانبان “أهمية منع التدهور اللاحق للأوضاع الإنسانية، وضمان حماية المدنيين وتقديم المساعدة الإنسانية لكل المحتاجين السوريين، دون طرح أي شروط مسبقة ودون أي تمييز، ومنع استمرار النزوح والإسهام في العودة الطوعية والآمنة لللاجئين والنازحين إلى أماكن إقامتهم في سوريا”.

ووفقا للوثيقة، وافقت روسيا وتركيا على عدة نقاط وهي:

1. وقف كل الأعمال القتالية على خط التماس القائم في منطقة إدلب لخفض التصعيد اعتبارا من 00:01 من يوم 6 مارس عام 2020.

2. إنشاء ممر آمن عرضه 6 كيلومترات شمالا و6 كيلومترات جنوبا من الطريق “M4″، ليتم تنسيق المعايير الدقيقة لعمل الممر الآمن عبر قنوات الاتصال بين وزارتي الدفاع للاتحاد الروسي والجمهورية التركية في غضون 7 أيام.

3. بدء الدوريات الروسية التركية المشتركة يوم 15 مارس 2020 على طول الطريق “M4″، من بلدة ترنبة الواقعة على بعد كيلومترين من مدينة سراقب ووصولا إلى بلدة عين الحور.

وأشار لافروف إلى أنّ الوثيقة تدخل حيز التنفيذ منذ اليوم الخميس، وتم التوقيع عليها من قبل وزيري الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، والتركي، خلوصي أكار.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا سواء أكنت شاهد على قصة انتهاك او كنت الضحية او ترغب في ابداء الرأي عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: vdcnsy@gmail.com
اقترح تصحيحاً - وثق بنفسك - قاعدة بيانات