عودة داعش: حين ينهار الجدار الأخير في شرق سوريا

مصطف عبدي
لا يمكن إعتبار تصاعد نشاط تنظيم داعش في سوريا، حدثاً عابراً يمكن إدراجه في خانة “الخلايا النائمة” التي تنشط ثم تخبو. ما يجري اليوم يعكس تحولاً نوعياً في ميزان السيطرة، ويكشف عن انهيار منظومة أمنية كاملة كانت، لسنوات، السدّ الأكثر فاعلية في وجه عودة التنظيم.

على امتداد الأعوام الماضية، نجحت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في تقويض البنية العملياتية لداعش، ليس فقط عبر المواجهة العسكرية المباشرة، بل من خلال حرب استخباراتية دقيقة ومعقّدة. شبكات واسعة من المخبرين، اختراقات داخلية، تتبع للتمويل والتحركات، وتنسيق يومي مع التحالف الدولي؛ كل ذلك حوّل مساحات واسعة من شرق سوريا إلى بيئة طاردة للتنظيم، وحدّ من قدرته على الحركة والتجنيد والتخطيط. كان التنظيم موجوداً، لكنه مكبّل، مراقَب، ومحاصر في نطاقات ضيقة.

اليوم، تبدو الصورة معكوسة.

عودة المتحدث باسم داعش إلى الظهور بعد صمت طويل ليست مجرد مادة دعائية. في أدبيات التنظيم، الصوت الرسمي ليس خطاباً إعلامياً فقط، بل إشارة عملياتية، وتوجيه معنوي وتنظيمي للخلايا. عودته تعني أن القيادة تشعر بوجود أرضية مهيأة، وبأن الظروف باتت مواتية لمرحلة تصعيد جديدة.

أدت الهجمات الواسعة والمفاجئة التي نفذها ما يسمى بـ”الجيش السوري الجديد” على محافظة الرقة ودير الزور والحسكة وكوباني إلى انهيار في المنظومة الأمنية التي كانت تضبط الإيقاع في شرق الفرات. ومع انشغال قسد في مواجهة هجمات متعددة، وتراجعه السريع وسط تعرض قواته لهجمات من كل الاتجاهات وحدوث انشاقات وسط خطاب رسمي من دمشق يطلب تفكيك هذه القوة ونزع سلاحها أو مواجهة الموت ومارافق ذلك من انماط قاسية من الانتهاكات معطوفا على مباركة من البيت الأبيض والصمت الدولي، ولا سيما من التحالف الدولي، الذي ترجمته دمشق وتركيا بانه ضوء أخضر لمواصلة الهجوم بدل احتواء التصعيد، كل ذلك وعن إدارك أسهم في تعميق الفوضى. في لحظة مفصلية، تُركت القوة التي كانت تمثل رأس الحربة في مواجهة داعش تقاتل وحدها، مستنزفة ومحاصَرة من كل المحاور.

الأخطر أن الهجمات طالت نقاطاً شديدة الحساسية: سجون تضم عناصر من داعش، ومخيمات تؤوي عائلاتهم. تم إطلاق سراح آلاف العناصر، وفرار عائلات وأطفال في مشهد فوضوي، تعني عملياً إعادة ضخّ موارد بشرية للتنظيم، وإعادة إنتاج بيئة حاضنة محتملة له. هذه ليست مجرد خروقات أمنية، بل تحولات استراتيجية ستنعكس على المدى المتوسط والبعيد.

تم تدمير قدرات قسد واذرعها الاستخباراتية واعطاب شبكات الجواسيس، وهو جهد تراكمي احتاج سنوات من العمل والاختراق. من الصعب تصور أن أي قوة جديدة قادرة الآن، على استعادة مستوى السيطرة الذي كان قائماً. الفراغ الأمني ليس مساحة محايدة؛ إنه البيئة المثالية لنمو التنظيمات المتطرفة.

ما خسرته سوريا والمنطقة ليس مجرد خطوط تماس، بل منظومة كاملة كانت تُبقي داعش تحت الضغط الدائم. ومع تدمير المنظومة، يعود التنظيم إلى قوته، وسيشن المزيد من الهجمات التي تستهدف المجتمعات السورية.

في المحصلة، لا يتعلق الأمر بقسد وحدها، بل بتوازن أمني إقليمي ودولي كان يستند إلى وجود قوة محلية فاعلة على الأرض. ومع اهتزاز هذا الركن، يخاطر العالم بأن يشهد فصلاً جديداً من عودة داعش — فصلاً قد يكون أكثر تعقيداً وأشد كلفة من سابقه.