إدارة ترامب تلوي ذراع الدبلوماسية التركية في منبج مجدداً

بخلاف التصريحات المتوالية الصادرة من أنقرة التي كانت تبشر بإعلان مرحلة النصر الجديد تحت إدارة الديكتاتوري التركي رجب طيب أردوغان، وذلك عقب نشر المزاعم خلال الشهر المنصرم تفيد بوصول إلى التفاهمات المشتركة مع إدارة دونالد ترامب حيال إدارة مدينة منبج والتي تدار من قبل الإدارة المدنية والمجلس العسكري في المدينة، غير أنّ تفاصيل مضمون الاتفاقية بقيت غير واضحة المعالم، علاوة على أن الزيارات المتتالية التي تقوم بها صناع القرار في الكونغرس من جهة، والقيادات العسكرية في البنتاغون التي تعمل في قيادة غرفة العمليات العسكرية في الشرق الأوسط إلى مدينة منبج خلال الشهر الحالي من جهة ثانية، خرجت بتصورات تعارض تماماً الوجهة الرسمية التي تصدر من أنقرة.
كان واضحاً أن أنقرة مستعجلة من أمرها في فرض أمر الواقع حيال مدينة منبج على واشنطن بعد احتلال عفرين والمناورة ما بين المحور الروسي في مواجهة النفوذ الأمريكي في سوريا، حيث كانت حلبة الانتخابات التركية الأخيرة بمثابة استعراض العضلات أمام الكتلة الإسلاموية والقوموية، بيد أنّ الإدارة الأمريكية وأنَ سعت إلى تشكيل أرضية للتفاهم المشترك بخصوص منبج مع وزير الخارجية التركية مولود جاويش أوغلو، لكنها لم تستسلم للرؤية التركية فيما يخص منبج التي تحررت على يد وحدات حماية الشعب والمجلس العسكري المحلي، في الوقت الذي أوضحت مراراً قيادة وحدات حماية الشعب عبر بيانات رسمية تأكيدات تفيد انسحابهم من المدينة عقب تحريرها من داعش وذلك تحت رقابة التحالف الدولي، في حين تحاول تركيا بدورها تحريف هذا المسار الميداني الواقعي تحت مسوغات هشة وغير واقعية متمثلة بصورة خاصة بوجود وحدات حماية الشعب في المدينة بغرض فرض أمر الواقع على واشنطن، وتالياً تعزيز من نفوذها على طبق من الذهب في مدينة كانت تتعاون لوجتستياً سراً قبل تحريرها مع داعش وفق الكثير من التقارير الدولية والحقوقية.
وتبعاً للزيارات الأخيرة التي قامت بها المسؤولين الأمريكيين إلى مدينة منبج بهدف معاينة الواقع العملي بمنأى عن ضجيج فارغ من الألة الدبلوماسية والإعلامية التركية وبعض الدوائر التي تعمل في مؤسسات “تينغ تانغ” الممولة من قبل حكومة أردوغان، فأنَ التصريحات الأمريكية كشفت بوجود خلافات عميقة بخصوص البنود والتفاصيل المصاغ حول التفاهم المشترك مع تركيا، إذا اقتصر بند تشكيل الدوريات المشتركة على النقاط المواجهة بين الطرفين وخاصة في الريف الشمالي من مدينة منبج على عدم حدثو تغيرات ملموسة، في حين تتواصل المشاورات بخصوص تشكيل الإدارة المدنية في المدينة بين الأطراف المعنية، وهذه الجزئية في شكلها العام لا تتعارض مع تصورات الإدارة الحالية في المدينة بحكم ضرورة تشكيل الإدارة المرنة والمقبولة من جميع المكونات في المدينة، بحيث تخدم البنية الخدماتية والإدارية والثقافية والقضائية في ظل انهيار الحكومة المركزية في البلاد.
وفق المراقبين الدوليين والمحليين، تبدي إدارة دونالد ترامب حساسية مفرطة بعدم تحويل المناطق التي تقع تحت نفوذها في سوريا بعد تحريرها من واشنطن إلى بؤرة الفوضى والنزاعات الداخلية، إذ شددت الإدارة الأمريكية الحالية بضرورة تحقيق الاستقرار والاستدامة للإدارة المحلية في المناطق المحررة من الإرهاب الإسلامي المتشدد، وذلك لسبين رئيسين، الأول: عدم عودة الإرهاب الذي قد يستغل الفراغ الإداري والأمني نتيجة التدخلات الخارجية الإقليمية بحكم تعزيز نفوذها بصرف النظر عن أهمية وضعية الأمن والاستقرار المطلوب في موقف يتماشى مع التدخلات التركية بصورة خاصة، وهو ما أثار حفيظة السناتور الجمهوري الأمريكي لينزي جراهام الذي شدد بنبرة حادة عبر تصريحات إعلامية وذلك بعد اجتماعه مؤخراً مع إدارة أردوغان في أنقرة ومن ثم زيارته الميدانية إلى مدينة منبج، حيث أكد السيناتور الأمريكي بضرورة عدم عبث حكومة أردوغان في خلق مناخ من الفوضى الجديدة في سوريا، وفرض السلطات القسرية على السكان المحليين التي تعارض عملياً رؤية الإرادة الأمريكية في شمال شرقي سوريا، ومن المرجح أن هذا التصريح شديد اللهجة خرج من جراهام نتيجة معاينته الواقع العملي في مدينة منبج، وتوضحت لديه المشهد العام في المدينة بصورة مستقرة وهادئة، بخلاف التحريض التركي المستفز، وبعض مراكز الدراسات في واشنطن الممولة بصورة مباشرة من قبل اللوبي التركي.

يرتبط السبب الثاني في رفض واشنطن الرؤية التركية حيال منبج، بالجانب المحلي في شقيها الأمني والمدني أيضاً، قياساً بالمناطق التي تخضع للاحتلال التركي في شمال سوريا، حيث تشير التصريحات العسكرية والأمنية الأمريكية بأنّ المجلس العسكري في منبج تتمتع بالمؤهلات الانضباطية والالتزام بالقواعد الأمنية والعسكرية المعروفة بخلاف التشكيلات الإسلامية المدعومة من التركية التي تعمل وفق الذهنية” اللصوصية والتشدد” الممارسة بحق السكان المحليين، إذ تنتشر يومياً انتهاكات صارخة ضد السكان المحليين نتيجة السلوكيات الاعتباطية والعنفية ضد السكان المحليين التي تنتهج من قبل الفصائل الإسلامية المتشددة، وتشكل مدينة عفرين مثالاً استعمارياً مفجعاً، حيث تخضع لعمليات النهب والسلب ومصادرة الأملاك الخاصة والتمييز العنصري بحق المكون الكردي، وزج المدنيين يومياً بالسجون تحت طائلة التعذيب الممنهج، وهي سياسيات ومقاربات وفق السكان المحليين تنسجم تماماً مع إرهاب داعش.
هذا الاختلاف الجوهري الممارس على الأرض وتخضع لمعاينة الإدارة الأمريكية بصورة دورية، قد تدفع الإدارة الامريكية أن تنسجم بصورة متطابقة مع المجلس العسكري في مدينة منبج، وعدم رضوخ لأي مسار تركي قد يفجر الفوضى والعبث في المدينة التي تعيش في الاستقرار الدائم منذ تحريرها من داعش.
ويضاف إلى هذا المنحى وفق معلومات مستقلة من المصادر التي ترصد العلاقات الأمريكية- التركية، أن التفاهم الأمريكي المشترك مع تركيا، لا يشمل تعزيز نفوذ تركيا في مدينة منبج، من جهة تشكيل الدوريات المشتركة التي تنحصر حالياً في النقاط الحدودية بين المجلس العسكري في مدينة منبج والفصائل التي تدعمها تركيا، وهو المسار فعلياً كان ساري المفعول ما قبل التفاهم الأمريكي – التركي، وربما قد تفرض الإدارة الأمريكية على الجانب التركي تبعاً لنفس المصادر، توسيع دائرة الدوريات المشتركة في المناطق التي تخضع للنفوذ التركي وليس بالعكس، كما تروج لها الآلة الدعاية التركية، علاوة أن تشكيل الإدارة المحلية في المدينة بالتعاون التركي- الأمريكي هو مشروط لدى المجلس العسكري في مدينة منبج بعودة النازحين الذين تهجروا بسبب الاحتلال التركي وفصائلها في كل من عفرين والباب وجرابلس وباقي السكان الذين نزحوا نحو منبج أو غيرها من المناطق التي لا تخضع للنفوذ التركي وفصائلها المتشددة، كما أنَ الكثير من المنظمات المحلية المدنية وغالبية النازحين يشددون بضرورة محاسبة جميع الفصائل التي تعبث بالأمن السكان واستقرارهم نتيجة سياسيات النهب والقمع الممنهج بصورة قانونية عبر اللجان الدولية المختصة. وهو ما يشكل ورقة الضغط على الجانب الأمريكي بلوي ذراع تركيا في منبج بطريقة مدروسة وممنهجة بعيداً عن ضجيج الدبلوماسية التركية.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا سواء أكنت شاهد على قصة انتهاك او كنت الضحية او ترغب في ابداء الرأي عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: vdcnsy@gmail.com
اقترح تصحيحاً - وثق بنفسك - قاعدة بيانات