بعد حادثة الموز في تركيا … تعرف على مساهمة السوريين في دعم الاقتصاد التركي

فصل ياسين أقطاي، وهو مستشار الرئيس التركي رجب أردوغان والمتحدّث الرسمي باسم “حزب العدالة والتنمية”، في جريدة “يني شفق”، بعنوان “ماذا يفعل السوريون في تركيا؟”، بالأرقام والحقائق مساهمات السوريين في إنعاش الاقتصاد التركي.

ووردت في المقال الأرقام والمعلومات الآتية:
– سنة 2014: ضخَّ 4500 رجل أعمال سوري استثمارات في السوق التركية بقيمة 1.22 مليار ليرة تركية.
– سنة 2015: حلَّ السوريون في المركز الثاني، بعد الألمان، على قائمة أكثر المستثمرين الأجانب في تركيا؛ إذ مثَّل المستثمرون اللاجئون 25.21 % من إجمالي المستثمرين الأجانب.
– اليوم: تعمل في تركيا 6 آلاف شركة سوريَّة باستثمارات قدرها 3.5 مليار دولار. وتشير دراسة جديدة إلى أن 90 % من السوريين في تركيا يعملون بإمكانياتهم الذاتية ويواصلون العيش بهذه الطريقة.

لكن رغم هذا الاعتراف المنقوص والذي يتجاهل الكثير من المساهمات الأخرى ومصير المليارات التي تتدفق من الاتحاد الاوربي و من امريكا ومن الامم المتحدة والمصانع والمعامل السورية التي نهبت ونقلت الى تركيا فإن الأتراك مازالو يصدقون الروايات الرسمية في أن السوريين في تركيا متطفلون.

دراسة اقتصادية أعدتها جمعية “الهجرة واللاجئين الدولية في إسطنبول (ايمرا)، كشفت أن إجمالي رأسمال الشركات التي يديرها سوريون في تركيا 179 مليون دولار، في حين بلغ استثمار السوريين 3.5 مليار دولار.

وأوضحت الدراسة أن 42.3% من رواد الأعمال المشاركين في الدراسة حاصلون على شهادات جامعية، و23.2% يحملون شهادة الثانوية، بالمقابل 23.1% منهم يحملون شهادة الإعدادية، و9.5% الشهادة الابتدائية، و2% فقط منهم لا يعرفون القراءة والكتابة، ومعظمهم يتقنون اللغة التركية بالإضافة للغة أجنبية أخرى.

وأشارت الدراسة إلى أن 57.5% من المستثمرين المشاركين يتقنون لغة أجنبية ثانية غير التركية إضافة إلى لغتهم الأم.

وأن السوريين أسسوا أعمالهم التجارية المستقلة في غضون عامين منذ هجرتهم إلى تركيا عام 2011، وتوفير الشركات المشاركة في الدراسة 1529 فرصة عمل مسجلة، تزيد تلك الفرص عن 3 آلاف إذا ما أضافوا إليها الأعمال غير المسجلة.

السوريين داعمون للاقتصاد التركي:
يقول المنتدى الاقتصادي السوري الذي يُعنى بتنمية مبادرات الأعمال بين أفراد الجالية السورية، تم تسجيل أكثر من 6500 شركة أنشأها أو ساهم في تأسيسها سوريون على الأراضي التركية منذ 2011، وإن هذا العدد يتجاوز العشرة آلاف إذا تم احتساب القطاع غير الرسمي، ويوجد أكثر من 1250 شركة سورية مسجلة لدى غرفة التجارة والصناعة في غازي عينتاب فقط.

ولا تبتعد منصة الاقتصاديين، التي تشرف على برنامج تحسين وضع السوريين في تركيا، خلال تقريرها عن الآثار الاقتصادية للسوريين في تركيا، إذ تشير إلى أن المستثمرين السوريين استثمروا أكثر من 360 مليون دولار في تركيا، من خلال مساهمتهم في الاقتصاد خلال السنوات الست الماضية، وبلغ عدد الشركات التي تم تأسيسها بشراكة السوريين في عام 2016 ألفاً و800 شركة، ونحو ألفي شركة العام الماضي.

وذكر التقرير أن مساهمة السوريين في الاقتصاد التركي عام 2014 بلغت 90 مليون دولار، و84 مليون دولار في 2015، و80 مليون دولار في 2016، فضلاً عن نحو 90 مليون دولار عام 2017.

بل ويتصدر السوريون قوائم الأكثر استثماراً بتركيا منذ ثلاث سنوات والأكثر حصولاً على أذونات العمل، وتشكل شركات السوريين في تركيا 14 في المائة من إجمالي رأس المال الأجنبي بين عامي 2011 و2017، وحلّ السوريون في المركز الأول لجهة الحصول على تصاريح العمل في تركيا عام 2017، بعد أن حصل نحو 21 ألف سوري على أذون عمل بنسبة 24% من مجمل ما منحته وزارة العمل والضمان الاجتماعي.

اللاجئون السوريون في تركيا:
حسب بيانات مديرية إدارة الهجرة التركية، يوجد في تركيا اليوم أكثر من 3.6 ملايين لاجئ سوري مسجل في تركيا، منهم 1.6 %- فقط – يعيشون في المخيمات التي تُشرف عليها آفاد (إدارة الكوارث والطوارئ التركية)، وهي 7 مخيمات توجد في ولايات أضنا، وكيليس، وكهرمان مرعش، وعثمانية، إضافة إلى هاطاي، في حين أن النسبة المتبقية تتوزع على كامل المجتمعات المحلية في مختلف الولايات التركية.

نهج الحكومة التركية في إدارة أزمة اللاجئين السوريين، السياسات وتحولاتها الرئيسة
تضع تركيا قيودا جغرافية على اتفاقية جنيف لعام 1951، حيث تستبعد صفة “اللاجئ” عن طالبي اللجوء من غير الأوروبيين، وبالتالي لا تعترف أنقرة بالسوريين الموجودين على أراضيها باعتبارهم “لاجئين”، وتصفهم بأنهم “لاجئون مشروطون” مع “حماية مؤقتة”، وهذا ما يمكن اعتباره شكلا من أشكال الحماية الدولية يتم تقديمها في تركيا لمعظم اللاجئين السوريين.

وفيما يتعلق بالسياسات الحكومية الرسمية وإدارتها لملف اللاجئين السوريين في تركيا، يمكن القول إنها شهدت 3 مراحل رئيسية:

-المرحلة الأولى: ما قبل العام 2014
فمنذ بداية الصراع في سوريا، اتبعت الحكومة التركية سياسة الباب المفتوح إزاء “السوريين”. ويمكن لمتتبع السياسات الحكومية في تعاملها مع أزمة اللاجئين السوريين، وبخاصة في السنوات الأولى، أن يتلمس الاعتقاد المبكر للحكومة التركية، بأن الحرب في سوريا سوف تنتهي سريعا بالإطاحة بنظام الأسد، وهو ما سوف يمكن اللاجئين السوريين من العودة إلى بلدهم، ومن ثَمَّ طغى على هذه الفترة التعامل الطارئ مع الأزمة، وهو ما انعكس بعدم استحضار الحكومة التركية للأهمية، والتخطيط المطلوب للتعامل مع هذا الموضوع الحساس من بداياته، وهو ما تسبب في التخبط، وغياب الخطط والسياسات المناسبة لإدماج هذه الأعداد الكبيرة من اللاجئين ضمن المجتمع المضيف.

يمكن القول: إن بدايات العام 2014 هي الفترة التي بدأنا نشهد معها بعض التغيرات التي تأخذ طريقها بشأن النظرة الحكومية في تعاطيها مع أزمة اللجوء السوري، وبخاصة في ظل التزايد الكبير الذي شهدته تلك الفترة في أعداد اللاجئين، ففي أواخر عام 2013 كان عدد اللاجئين في حدود 225 ألف لاجئ، في حين ازداد بشكل كبير في العام 2014 ، وصولا إلى أكثر من 1.5 مليون.

-المرحلة الثانية: تمتد من العام 2014 إلى 2016
كانت أبرز سمات هذه المرحلة هي الزيادة الواضحة في عدد طالبي اللجوء، مع مخيمات مكتظة وتدفق مستمر وكثيف من اللاجئين القادمين إلى تركيا، كل ذلك في ظل تطور بيئة الحرب في سوريا وتشعبها وزيادة اللاعبين وانخراطهم، ولا سيما توسع “تنظيم الدولة” في العراق والشام، ودخول روسيا كفاعل جديد ومؤثر للغاية في الميدان، وبدء ميل الكفة لصالح نظام الأسد وحلفائه، ونجاحهم في حمايته من السقوط.

أدركت فئات واسعة من السوريين في هذه المرحلة أن الحرب سوف تتوسع وتطول، وهو ما دفع أعدادا متزايدة إلى مغادرة البلد، لبدء حياة جديدة في تركيا وأوروبا، وتزايدت أعداد السوريين في تركيا في تلك الفترة بشكل كبير، وصولا إلى 2.83 مليون لاجئ مسجلين في نهاية عام 2016.

بدأت آثار التغير في نظرة الحكومة التركية نحو موضوع اللجوء السوري في تركيا- الذي أشرنا إليه آنفا- مع تصميم إطار السياسة الجديد المتمثل بـ “قانون الأجانب والحماية الدولية”، الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/ تشرين الأول 2014.

-المرحلة الثالثة: ما بعد العام 2016
كانت الآثار الإنسانية المهولة التي نتجت عن الحرب في سوريا قد أثارت نقاشات عالمية كثيرة، خاصة فيما يتعلق بتعامل دول جوار سوريا مع أزمة اللجوء، ومدى انخراط المجتمع الدولي في تقاسم الأعباء والمسؤوليات المترتبة على استقبال هذه الدول لهؤلاء اللاجئين.

ويمكن القول بأن الأعباء الكبيرة التي فرضتها أزمة اللاجئين، وضعف ردود الفعل الدولية في ناحية تقاسم الأعباء، قد دفعت تركيا، التي أصبحت منذ عام 2014، إلى التخلي عن سياسة “الباب المفتوح”، في سبيل الحد من أعداد اللاجئين، عبر فرض التأشيرة على السوريين في بداية العام 2016، وإكمال (منتصف العام 2018) بناء جدار بطول 711 كيلومترا على امتداد حدودها مع سوريا، بهدف مكافحة الإرهاب، ومنح حرس الحدود التركي \ الجندرما الصلاحيات لاستهداف وقتل اللاجئين السوريين على الحدود حيث تم إحصاء مقتل 511 لاجئا سوريا بينهم 67 امرأة و 96 طفلا على الحدود حتى نهاية أكتوبر 2021 فيما تجاوز عدد المصابين 1100 لاجئا.

ورغم اندلاع الصراع السوري في بدايات العام 2011، وتشظي آثاره الإنسانية إلى دول الجوار منذ ذلك التاريخ، فإن انفلات أزمة اللاجئين السوريين خارج إطارها الإقليمي بدأ فقط في عام 2014، وذلك عندما بدأ اللاجئون بالوصول إلى أوروبا بأعداد كبيرة، وهو ما دعا الاتحاد الأوربي آنذاك إلى تركيز جهوده على وقف تدفق اللاجئين، عبر تفعيل بند تقاسم الأعباء، وتقديم الدعم المالي لدول جوار سوريا، وكذلك عبر عقد اتفاقيات تعاون مع الدول التي استقبلت اللاجئين، وبخاصة تركيا.

شهد شهر مارس/ آذار 2016 توقيع اتفاق تركيا والاتحاد الأوروبي على صفقة “واحد مقابل واحد”، والتي تهدف لمعالجة تدفق اللاجئين نحو أوروبا، وتقضي في أبرز بنودها بإعادة جميع اللاجئين الجدد الذين يصلون من تركيا إلى اليونان إلى تركيا، وذلك وفقا لمبدأ “واحد مقابل واحد”.

وبمقتضى الاتفاق، فإنه مقابل كل سوري يعاد من الجزر اليونانية إلى تركيا، سيتم استقبال سوري آخر من تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وتعطى الأولوية للذين لم يحاولوا الوصول بصورة “غير شرعية” إلى هناك.

كما أقرت الاتفاقية تسريع تقديم الاتحاد الأوروبي مساعدات مالية ضخمة لتركيا، وإلغاء تأشيرات دخول الأتراك إلى أوروبا، وكذلك تسريع مناقشات انضمام أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي.

شهدت هذه المرحلة – كذلك – إحالة ملف اللاجئين السوريين في تركيا من منظمة الإغاثة والكوارث التركية “آفاد”، إلى إدارة الهجرة العامة التركية، وهو ما يعكس يقينا متزايدا لدى السياسيين الأتراك بطول أمد الأزمة، وتحولا باتجاه سياسات أكثر استباقية نحو إدماج اللاجئين في المجتمع المضيف.

الآثار الاقتصادية المحتملة للاجئين السوريين في تركيا:
أولا: بحسب تصريح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقد أنفقت تركيا 40 مليار دولار على اللاجئين السوريين منذ عام 2011 دون تقديم أي وثائق عن ذلك ، ودون كشف قيمة الاموال التي تتحصل تركيا عليها من الاتحاد الاوربي والولايات المتحدة ودول أخرى.

أين تذهب المساعدات الأوروبية المخصصة للاجئين السوريين في تركيا؟
أكد برلمانيون من حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي في تركيا أن الحكومة التركية ترفض الإفصاح عن كيفية إنفاق المساعدات المالية التي قدمها الاتحاد الأوروبي للاجئين السوريين لافتين إلى أن السوريين المقيمين في تركيا بحالة يرثى لهم ولم تتم تلبية احتياجاتهم الأساسية.

ونذكر هنا أن معظم اللاجئين السوريين يعيشون في مختلف المجتمعات المحلية التركية عبر الإنفاق من دخلهم أو مدخراتهم، وبالتالي فهم كذلك مصدر إيراد للدولة والإدارات المحلية، من خلال دفعهم لبدلات استخدام الخدمات من مياه، وكهرباء، وغاز طبيعي، وكذلك خدمات النقل وغيرها.

فهم يساهمون في دفع الضرائب، كما أنهم من خلال استهلاكهم السلعي والخدمي: الغذائي، وغير الغذائي، يُساهمون في تغذية خزينة الدولة من خلال ضريبة القيمة المُضافة المفروضة، بنسب متفاوتة، على جميع بنود الاستهلاك تقريبا في تركيا، ناهيك عن ضرائب الدخل وسواها.

وقال النائب عن حزب الشعب الجمهوري نائب رئيس اللجنة المواءمة مع الاتحاد الأوروبي أوزكان ياليم : “منح الاتحاد الأوروبي 3.5 مليار يورو لتركيا بشكل غير مباشر لتلبية احتياجات اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا”.

وأضاف: “إلا أننا لا نعلم ما إذا كانت الحكومة قد أنفقت هذا المبلغ لتلبية احتياجات السوريين أم لا، لأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والوزراء المعنيين يبقون هذا الموضوع سرا ويرفضون الإفصاح عن كيفية إنفاقه، لذا لم نتمكن من الوصول إلى معطيات بهذا الصدد”.

وأشار إلى أن الحكومة التركية تقول إنها أنفقت المبلغ الذي قدمه الاتحاد الأوروبي لمساعدة اللاجئين على تنفيذ مشاريع في مخيماتهم، إلا أنه لا توجد لدينا أي معطيات رسمية حول إنفاقه على مشاريع تتعلق بالسوريين بسبب رفض الحكومة تقديمها لنا”.

من جانبه، قال النائب عن حزب الشعب الجمهوري عضو اللجنة البرلمانية الفرعية للهجرة والمواءمة محمود تنال: “ترفض الحكومة تقديم المعلومات لنا بشأن كيفية إنفاق المبالغ المقدمة من الاتحاد الأوروبي لتلبية احتياجات اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا” لافتا إلى أن “الحكومة لا تتصرف بشفافية بهذا”.

وأضاف: “موقف الحكومة التركية غير الشفاف يثير الشكوك حول كيفية إنفاق المنح المقدمة من الاتحاد الأوروبي لتلبية احتياجات السوريين وما إذا كانت تنفق عليهم فعلاً أم لا”.

ولفت إلى أن اللاجئين السوريين يعيشون في وضع سيء يرثى له في تركيا موضحا: ” من المفروض أن يتم إنفاق المساعدات المالية المرسلة من الاتحاد الأوروبي على العمال الموسميين السوريين المقيمين في تركيا، ولكن العمال السوريين يقيمون في خيم ممزقة غير صحية وغير صالحة للعيش بأماكن عملهم ويغرقون في المياه عندما تهطل الأمطار، ومحرومون من الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء”.

وتابع: “هناك نحو 30 ألف عامل موسمي سوري في تركيا وأبناؤهم محرومين من التعليم ويعيشون في حالة بؤس يرثى لها وهذا ينطبق على أغلبية السوريين المقيمين في بلدنا”.

ثانيا : في تركيا، تُلاحق اللاجئين السوريين الادعاءات من قِبل المجتمع التركي المُضيف بأنهم كانوا سببا في التضخم، وارتفاع الأسعار، وتكاليف المعيشة. وما من شك أن الاقتصاد التركي قد شهد معدلات تضخم عالية خلال السنوات الماضية، وبخاصة منذ عام 2017، إلا أنه من المنصف القول بأن هذه الزيادات ليست بالضرورة نتيجة مباشرة لوجود اللاجئين السوريين في هذا البلد، ولتفنيد ذلك يمكن الرجوع إلى معدلات التضخم التي حققها الاقتصاد التركي خلال الفترة ما بين عام 2004 وعام 2016.

بحسب أرقام مؤسسة الإحصاء التركية (TUIK) نجد أنها لم تشهد أي تغيرات كبيرة، رغم أن التدفقات الكبيرة للاجئين السوريين كانت قد بدأت منذ عام 2013، حيث إن معدل التضخم تراوح خلال الفترة المذكورة ما بين 8.6% و 7.78% في عامي: 2004 ، و2016، على التوالي، مرورا بأعلى معدل تضخم تحقق خلال عام 2008 ، والذي بلغ 10.44%، وهو ما يمكن رده – آنذاك – إلى تأثيرات الأزمة المالية العالمية التي ضربت الاقتصاد العالمي حينها.

إذن، رغم تدفق اللاجئين بشكل كبير خلال العامين 2013 و 2014 لم تتأثر معدلات التضخم بشكل كبير، في حين بدأت معدلات التضخم بالارتفاع في الأعوام الثلاثة الأخيرة: 2017، 2018، 2019، والسبب الرئيسي في اعتقادنا هو التدهور الكبير الذي شهده سعر صرف الليرة التركية خلال نفس الفترة، حيث ارتفع الدولار مقابل الليرة من 3.49 أواخر 2016، إلى 5.85 أواخر 2019 .

من المنطقي القول بأن اللاجئين السوريين قد ساهموا في زيادة الاستهلاك الخاص الإجمالي في تركيا، إلا أنه من شبه المؤكد أيضا أن الاقتصاد التركي كان على قدر كبير من المرونة، للاستفادة من تدفقات اللاجئين وانعكاساتها على الاستهلاك الخاص، نحو تحفيز الإنتاج والنمو، وهو ما يذهب إليه الكثير من الاقتصاديين.

ثالثا : يسري الاعتقاد بأن الاستهلاك المحلي القوي الذي حفزه التدفق الكبير للاجئين عامي 2013 و2014 قد ساهم في تحفيز نمو القطاع الزراعي والاقتصاد التركي إجمالا، فبينما نما الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2012 و2014 بمتوسط ​​سنوي قدره 3 ٪، مقارنة بـ 5 ٪ في السنوات السابقة، فإن الاقتصاد التركي نما بنسبة 4٪ في عام 2015، متجاوزا التوقعات، وانضم إلى الأسواق الناشئة الأفضل أداء في العالم، رغم الاضطرابات السياسية، وتزايد التهديدات الأمنية.

ويُعتقد أن هذا النمو الكبير كان مدفوعا بشكل رئيسي من نمو 6.7٪ في الإنفاق الحكومي، وزيادة بنسبة 4.5٪ في الاستهلاك الخاص، بسبب زيادة عدد السكان في عام 2015 ، نتيجة تدفق اللاجئين السوريين.

ورغم مساهمة التدفق الكبير للاجئين السوريين بتحقق ارتفاع في بدلات إيجار المساكن في مختلف الولايات التركية التي تدفقوا إليها، وبالتالي المساهمة، ولو جزئيا، في رفع تكاليف المعيشة في المجتمعات المحلية المُضيفة، فإنه على الجانب الآخر، فإن تدفق 3.6 ملايين لاجئ سوري، أي حوالي 600 آلاف عائلة ” في المتوسط”، قد ساهم في شغل الكثير من المنازل التي كانت فارغة غير مستغلة نتيجة قلة الطلب عليها.

وبالتالي يمكن القول بأن تدفق اللاجئين السوريين قد ساهم في تحقيق دخل مستمر للأسر التركية، وساهم في تحفيز الاستهلاك المحلي. بالإضافة إلى ذلك، فإن زيادة الطلب على إيجار المنازل لا بد أن يُساهم في تنشيط النمو في قطاع العقارات، وكل ذلك سوف يصب في النهاية في تحفيز النمو في الاقتصاد الكلي.

رابعا : تُشير نتائج دراسة (Del Caprio & Wagner)، إلى وجود تأثير إيجابي لتدفق اللاجئين السوريين على التوظيف الرسمي للمواطنين الأتراك، وقد ذكرت في نتائجها أنه مقابل كل 10 عمال سوريين دخلوا إلى سوق العمل غير الرسمي، تم إنشاء 3 أو 4 وظائف في سوق العمل الرسمي.

النتائج التي تخلص إليها الكثير من الدراسات المتعلقة بالموضوع، تجعلنا نخلص إلى أن اللاجئين السوريين يشكلون خيارا ممتازا أمام أصحاب العمل في تركيا، لتلبية الطلب على العمالة الرخيصة، وهو ما يجعلهم عرضة بشكل كبير لاستغلال أصحاب العمل الراغبين في تقليل تكاليف إنتاجهم، وزيادة أرباحهم.

في بداية العام 2016 تم صدور لائحة تصاريح العمل للأجانب تحت الحماية المؤقتة، والتي تمنح السوريين المسجلين في تركيا لمدة لا تقل عن 6 أشهر الحق في العمل بنسبة 1 إلى 10 أتراك في مكان العمل، وذلك بناء على طلب صاحب العمل، وبشرط أن يحصل العامل على الحد الأدنى للأجور على الأقل.

ورغم أهمية الخطوة من ناحية تمكين السوريين في الحصول على فرصة عمل بشكل رسمي، فإنه قد فشلت حتى الآن في تحقيق الأثر المتوقع، ورغم وجود أكثر من 2.1 مليون لاجئ في عمر العمل، من الفئة العمرية (15 – 65) عاما، تشير بيانات وزارة الأسرة والعمل والخدمات الاجتماعية إلى أن الذين حصلوا على إذن عمل رسمي هم: 34.5 ألف سوري، من بين ما يزيد على 115 ألف أجنبي في تركيا في عام 2018.

ورغم أن خيار العمل في سوق العمل بشكل غير رسمي هو خيار قد يضع اللاجئين في مواقف من التمييز والاستغلال والأجور الرخيصة، فإنه قد يكون خيارا لا بديل عنه في ظل الظروف الحالية.

وحسب الأرقام التي يُوفرها اتحاد الغرف والبورصات التركي (TOBB)، فقد شهد عام 2019 تأسيس 13.669 شركة جديدة بشريك أجنبي، منها 747 شركة أسسها سوريون، في حين تجاوز عدد الشركات التي تم تأسيسها من قبل السوريين في تركيا بشكل رسمي منذ عام 2011 وحتى اليوم(في 20202)، 10 آلاف شركة، تنشط في قطاعات عديدة، أهمها قطاعات التجارة والعقارات والبناء، مع وجود تقديرات تشير إلى أن الرقم الكلي لعدد الشركات السورية في تركيا- مع الأخذ بعين الاعتبار غير المرخصة منها- قد يتجاوز 15 ألف شركة.

وبالإضافة إلى مساهمة الشركات السورية في تنشيط الاستثمار والإنتاج، فإنها كذلك مساهم كبير في توفير فرص العمل، وبحسب دراسة صادرة عن وقف أبحاث السياسات الاقتصادية التركية (TEPAV)، فإن الشركات السورية توفر سبل العيش لما لا يقل عن 7 % من 3.5 مليون سوري في تركيا، حيث يعمل ما يقرب من 7 أشخاص في المتوسط في كل شركة، ومع متوسط حجم الأسرة السورية البالغ 6 أفراد، تشير النتائج إلى أن ما يقرب من 250 ألف سوري يستفيدون من الدخل الناتج عنها [19].

نقطة أخرى مهمة يجب ملاحظتها في هذا الخصوص، هي أن الشركات السورية، وبحكم خبرات الكثير منها في العمل التجاري في سوريا سابقا، ربما ساعدت في إعادة توازن الصادرات التركية إلى سوريا.

فبعد تراجع صادرات تركيا بشكل حاد من 1.84 مليار دولار في عام 2010 إلى 500 مليون دولار في عام 2012، عادت صادرات تركيا إلى سوريا إلى مستويات قريبة من مستويات ما قبل الحرب بحلول عام 2014، ثم ما لبثت أن عادت واستقرت في حدود 1.3 مليار دولار في نهاية عام 2017.

ولعل أبرز ما يدلل على الدور الذي تقوم به الشركات السورية في زيادة الصادرات التركية إلى سوريا هو بروز ولايات: غازي عينتاب، وهاطاي، ومرسين كمراكز تصديرية جديدة للتصدير إلى سوريا، حيث زادت صادرات غازي عينتاب إلى سوريا ببطء من 96 مليون دولار في عام 2011 إلى 393 مليون دولار في عام 2017.

وبالمثل، زادت صادرات هاطاي من 97 مليون دولار إلى 207 ملايين دولار. في حين نمت صادرات مرسين من 15 مليون دولار في عام 2011 إلى 207 ملايين دولار في عام 2017 [20]، وهذه الولايات الثلاث تعتبر مركزا رئيسيا للشركات السورية في تركيا، والزيادة التي شهدتها صادرات هذه الولايات مرتبطة بشكل كبير بازدياد عدد الشركات السورية التي تم تأسيسها هناك.

مئات المصانع السورية سُرقت وفُككت… ووجدت طريقها إلى تركيا
وصلت ذروة عدد المصانع المسروقة في العام 2013 إلى نحو ألف معمل، وفق اتحاد غرف الصناعة السورية. وأرسلت دمشق حينها رسالتين إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، واعتبرت تصرف تركيا من “أعمال القرصنة والجرائم العابرة للحدود” تستوجب رد فعل دولي، وطالبت بإلزامها إعادة المعامل إلى أصحابها ودفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بهم.

وقبلت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ شكوى مقدمة ضد رئيس الحكومة التركية في 22 أبريل (نيسان) 2014، بتهمٍ، من بينها التورّط في تيسير سرقة معامل حلب والضلوع في تدمير البنية التحتية للاقتصاد السوري. وتفاءل صناعيو المدينة وتجارها بعد إدانة المحكمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (كان رئيساً للوزراء حينها)، وفق ما ذكره رجل الأعمال ليون زكي، رئيس مجلس الأعمال السوري – الأرمني.

المحكمة الأوروبية التي استقبلت الوثائق اللازمة من تسجيلات صوتية ومرئية ووثائق وأعطيت الرقم قبول 61869/13، تنسق مع منظمة التحالف الدولي لمكافحة الإفلات من العقاب، مقرها برشلونة. ووفق مذكرة وزارة الصناعة السورية، فإن عدد المنشآت المتضررة من حالات السرقة وصل إلى 720 وتقدّر قيمة إجمالي المبالغ المفقودة بـ 196 مليار ليرة سورية.

-------------------------------

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا عن طريق إرسال كتاباتكم عبر البريد : vdcnsy@gmail.com

ملاحظاتك: اقترح تصحيحاً - وثق بنفسك - قاعدة بيانات

تابعنا : تويتر - تلغرام - فيسبوك