يوثق هذا التقرير سلسلة من الانتهاكات الجسيمة التي ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ارتكبتها القوات المسلحة السورية (الجيش السوري) خلال هجوم عسكري واسع النطاق استهدف ثلاثة أحياء سكنية ذات غالبية كردية في مدينة حلب، وهي: حي الشيخ مقصود، حي الأشرفية، وحي بني زيد. جرى الهجوم في سياق عمليات عسكرية ممنهجة رافقها حصار خانق، قصف عشوائي، تهجير قسري، واستخدام مفرط وغير متناسب للقوة ضد المدنيين.
أولًا: السياق العام للهجوم
ابتداءً من يوم الثلاثاء 6 كانون الثاني/يناير 2026، شنت القوات المسلحة السورية هجومًا عسكريًا واسعًا على الأحياء المذكورة، رافقه إعلانها مناطق عسكرية مغلقة، وفرض حصار شامل على مناطق مكتظة بالسكان المدنيين. تضمن الحصار إغلاق المداخل والمخارج، منع دخول المواد الغذائية والطبية، وقطع سبل الإغاثة، في انتهاك واضح لمبادئ القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأ حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
ثانيًا: القصف واستهداف الأعيان المدنية
رافقت العمليات العسكرية عمليات قصف مكثف، جرى التمهيد لها عبر نشر خرائط عسكرية توضح أهداف القصف، والتي شملت بشكل مباشر مباني سكنية مأهولة بالمدنيين، ومراكز حيوية محمية بموجب القانون الدولي الإنساني. من بين الأهداف الموثقة:
* مبانٍ سكنية يقطنها مدنيون.
* مبنى يقطنه صحفيون تابعون لمؤسسة روداو.
* كنيسة مسيحية ومسجد.
* مرافق طبية ومشافٍ تقدم خدمات إنسانية للسكان.
أدى هذا القصف إلى حالة من الذعر الجماعي، ودفع آلاف المدنيين إلى النزوح القسري في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، بينما اضطر آخرون إلى البقاء لعدم توفر أي ملاذ آمن، أو لعدم امتلاكهم القدرة على النزوح.
ثالثًا: الفئات السكانية المتضررة
تشير الوقائع إلى أن نسبة كبيرة من سكان حي الشيخ مقصود وحي الأشرفية هم من أهالي منطقة عفرين، الذين سبق أن تعرضوا للتهجير القسري خلال الهجوم والاحتلال التركي لعفرين، ثم لتهجير ثانٍ من منطقة الشهباء على يد القوات التركية وميليشيات ما يُعرف بـ«الجيش الوطني». وقد لجأ قسم كبير منهم إلى أحياء الشيخ مقصود والأشرفية كملاذ أخير، ليواجهوا مرة أخرى عمليات قصف وحصار وتهجير، في نمط متكرر من الاستهداف القائم على الانتماء القومي.
رابعًا: استخدام القوة العسكرية المفرطة
إضافة إلى الحصار والقصف، وثق التقرير استقدام ترسانة عسكرية ثقيلة وغير متناسبة مع طبيعة المناطق المستهدفة، شملت:
* أكثر من 100 دبابة ومدرعة.
* أسلحة صاروخية متنوعة.
* طائرات مسيّرة.
* آلاف المقاتلين الذين طوقوا الأحياء بشكل كامل.
استمرت العمليات العسكرية من الثلاثاء 6 كانون الثاني/يناير 2026 وحتى السبت 11 كانون الثاني/يناير 2026، وأسفرت عن:
* مقتل أكثر من 60 مدنيًا.
* إصابة مئات المدنيين بجروح متفاوتة.
* نزوح ما يقارب مليون سوري من المناطق المتأثرة.
* دمار واسع في البنية التحتية والممتلكات الخاصة، إضافة إلى عمليات نهب واسعة النطاق.
خامسًا: الانتهاكات اللاحقة للهدنة
على الرغم من إعلان انسحاب قوى الأمن المحلية، والتوصل إلى هدنة واتفاق لوقف القتال، استمرت الهجمات والانتهاكات، وتطورت إلى أنماط أشد خطورة، شملت:
* عمليات قتل خارج نطاق القانون وإعدامات ميدانية.
* التمثيل بجثث الضحايا وسحلها في الشوارع، وقد وثقت ثلاث حالات لجر جثث، من بينها جثث مدنيين.
* توثيق حالتي إعدام ميداني عبر مقاطع فيديو.
* إلقاء جثة امرأة مقاتلة من أعلى بناء شاهق وسط هتافات وتكبيرات.
* خطف مئات الشبان والنساء والأطفال، ولا يزال مصير الغالبية منهم مجهولًا حتى تاريخ إعداد هذا التقرير.
كما وثقت مقاطع مصورة عمليات اعتقال جماعي طالت مئات المدنيين، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى تعريض المختطفين لإهانات لفظية، وضرب، وشتم، وإجبارهم على إصدار أصوات مهينة، في ممارسات ترقى إلى التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة.
سادسًا: التوصيف القانوني
إن مجمل الأفعال الموثقة في هذا التقرير، بما في ذلك الاستهداف المتعمد للمدنيين، القصف العشوائي، الحصار، التهجير القسري، الإعدامات الميدانية، الاختطاف، والتعذيب، تشكل انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف الأربع، وترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
سابعًا: التوصيات
1. دعوة المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة ومحايدة للتحقيق في هذه الانتهاكات.
2. ممارسة ضغط دولي فوري على سلطة الأمر الواقع في دمشق، بقيادة أحمد الشرع (الجولاني)، لوقف الانتهاكات وسحب القوات العسكرية من المدن والأحياء السكنية.
3. ضمان حماية المدنيين ومنع تكرار أنماط العنف الجماعي والإبادة، التي سبق أن طالت مكونات أخرى، بما فيها العلويون والدروز وغيرهم.
4. فتح تحقيق دولي شامل يشمل الجرائم المرتكبة في أحياء حلب، وكذلك الانتهاكات السابقة في الساحل السوري والسويداء.
إن صمت المجتمع الدولي إزاء هذه الجرائم لا يشكل فقط إخفاقًا قانونيًا، بل فشلًا أخلاقيًا جسيمًا، ويمنح مرتكبي هذه الانتهاكات ضوءًا أخضر للاستمرار في سياسة القتل الجماعي والإفلات من العقاب.